قرار تعليق المعاهدة
ومع أن تلك المعاهدة قد جرى تعديلها في عام 1999 خلال الاجتماع الذي عقد في اسطنبول بتركيا، بعد تفكك حلف وارسو، بأن تم الاتفاق على أن تلتزم الدول بذاتها بالاتفاق (المعاهدة) بدلا من الحلفين، وقد صادقت روسيا، وكازاخستان، وبيلاروسيا وأوكرانيا، على ذلك الاتفاق، فيما لا تزال أمريكا والدول الأوربية ترفض المصادقة عليها، ومن موقعها الجديد ذاك، وبسسب عدم مصادقة الناتو على تلك المعاهدة، أقدمت موسكو من جانب واحد على تعليق مشاركتها في المعاهدة ابتداء من 13 من شهر الكانون 2007، أولا لعدم استجابة دول الناتو للشرط الروسي بالتوقيع على المعاهدة المعدلة، وثانيا لأن المعاهدة كما قال نائب وزير الخارجية الروسي " لا تتماشى بصيغتها الراهنة مع الواقع السياسي، وتتعارض مع أهداف روسيا العسكرية ".
ويبدو هنا أن الشعور بالغبن جراء تلك المعاهدة بات يشكل القاسم المشترك بين عدد كبير من المسؤولين الروس، فرئيس مجلس الفدرالية الروسي يتساءل باستهجان ؛ معاهدة القوات التقليدية في أوربا، لم يصادق عليها سوى أربع جمهوريات سوفيتية سابقة، وماذا يفعل الناتو بالمقابل ؟ ينشر قواته في رومانيا وبلغاريا ؛ بل وتخطط الولايات المتحدة الأمريكية، لنشر منظومة دفاع مضاد للصواريخ في بولندا وتشيكيا، أحد دول حلف وارسو السابق، وهو الحلف الذي انضمت ست دول من أعضائه إلى حلف الناتو، في وقت وفت فيه روسيا بالتزاماتها التي نظمتها المعاهدة، بعد أن صادقت عليها، وقامت بسحب جميع أنواع الأسلحة الثقيلة من شطرها الأوربي، فكان من الطبيعي والحال تلك أن تجمد روسيا المعاهدة، و هي التي لم تكتف بالمصادقة عليها فحسب، بل إنها نفذت كافة بنودها، وعلى الأخص سحبها جميع أنواع الأسلحة التقليدية من شطرها الأوربي.
وفي شرح أبعاد القرار الروسي أرجع الرئيس الروسي بوتين في اجتماع الكادر القيادي للقوات المسلحة الروسية، قرار تعليق مشاركة روسيا في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوربا، كأحد الإجراءات التي جاءت ردا مناسبا على عدم تنفيذ المعاهدة المعدلة من قبل المشاركين الآخرين، ولذلك قال بوتين" إن الإجراء كان ضروريا واضطراريا، لأن روسيا لن تقوم وحدها بتنفيذ بنود المعاهدة من جانب واحد ".
الفكر الأمريكي لا يستبعد المواجهة
والمعاهدة كما يراها الجنرال ماليوفسكي رئيس أركان الجيش الروسي، أنها كانت تتيح تنفيذ إستراتيجية تقدم الناتو نحو الشرق دون أي قيود عمليا، وإعادة هيكلة التواجد العسكري الأمريكي في أوربا، وممارسة رقابة دائمة على تشكيلة مجموعة القوات المسلحة الروسية في المنطقة الأوربية وحالتها،ويقدر رئيس أركان القوات المسلحة الروسية أن عدم التصديق، ليس وحده السبب في تعليق المعاهدة من قبل روسيا الاتحادية، بل إن ما دفع إلى ذلك هي خطورة النظام الصاروخي الأمريكي المزمع إنشاؤه في شرق أوربا، وذلك بنصب صواريخ اعتراضية في الأراضي البولندية، وإقامة رادار في الأراضي التشيكية، ويمكن للأمريكيين بذلك أن يطلقوه نحو روسيا بدعوى أنهم يطلقون صواريخ اعتراضية، بذريعة تدمير صواريخ مهاجمة انطلقت من إيران، ليس هذا فحسب، بل من يدري والحديث لا زال لرئيس الأركان " فلعل الصواريخ الأمريكية التي انطلقت 0 على سبيل الافتراض 0 من الأراضي البولندية، هي هجومية وليست اعتراضية، وفي هذا يمكن ؛ بل يجب أن تقوم روسيا بالرد، بإطلاق صواريخ مجهزة برؤوس حربية صوب منشآت أمريكية ".
فمشروع إنشاء نظام دفاعي أمريكي مضاد للصواريخ في شرق أوربا يستهدف الإخلال بميزان الأمن الأوربي، فالهدف المعلن من نشر تلك المنظومة هو تجهيز موقع أوربي للنظام الدفاعي الأمريكي، إلا أن الهدف الحقيقي هو الإخلال بميزان الأمن في أوربا، رغم كل ما يقوله الأمريكيون كما يقول رئيس الأركان الروسي، من أنهم ينشؤون في أوربا نظاما دفاعيا، من أجل اعتراض صواريخ باليستية مجهزة برؤوس نووية ينتظرون إطلاقها من ما يسمى بالدول " المارقة "، مثل إيران وكوريا الشمالية، في حين أن الصواريخ من هذا النوع لا تملكها أيا من إيران أو كوريا الشمالية.
وذلك يعني أن الولايات المتحدة لا تستبعد وضع نفسها في مواجهة مع روسيا، في حين أن روسيا كانت الدولة الأوربية الوحيدة التي تكبل نفسها فيما يخص تسليح الجيش وفقا للمعاهدة ؛ خاصة وأن حلف الناتو يطور نظاما صاروخيا حديثا ضد الصواريخ ذات المدى القصير، حيث تزمع الولايات المتحدة نشر نظام للرادار في تشيكيا بالقرب من العاصمة براغ، ونشر المنظومات الصاروخية في بولندا على ساحل بحر البلطيق بالقرب من بلدة فيتسكو موريسكي , ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل ذلك النظام الصاروخي المزمع إقامته في عام 2012 ، وسيغطي عند ذاك الأراضي الروسية حتى جبال الأورال.
الذرائع تستولد المزيد من الشكوك
وهو الأمر الذي عزز شكوك رئيس أركان الجيوش الروسية في نوايا الولايات المتحدة الأمريكية تجاه روسيا، وذلك يعني حسب رئيس الأركان الروسي " أن البنتاجون لم يسقط موضوع المواجهة مع روسيا من أجندة البحث، مشيرا إلى أن هذا هو السبب وراء إقدامهم على إقامة النظام الصاروخي في شرق أوربا "، وبسبب من ذلك فإن روسيا ترى أن الحجج والمبررات التي تقدمها الولايات المتحدة، لنشر تلك العناصر قرب الحدود الروسية غير مقنعة، لأن ما يقال عن تهديد صاروخي من دول أخرى يستهدف أوربا والولايات المتحدة غير موجود أصلا، ومن ثم فإن " ما تعتزم الولايات المتحدة القيام به في أوربا الشرقية هو موجه ضد القوات الاستراتيجية الروسية وايضا الصينية، ولذلك فإن روسيا ستصوب صواريخها نحو ما ينصبه الأمريكيون في بولندا وتشيكيا إذا شعرت أنها في خطر".