وما يعزز الشكوك الروسية في نوايا الإدارة الأمريكية، هو ترافق نشر الدرع الصاروخي مع عملها على توسيع حلف الناتو، الذي تم إقامته عام 1949، ابتداء بهدف محاصرة والتصدي للنظام السياسي والاجتماعي الذي كان قائما في روسيا منذ عام 1917، وهو من ثم التوسيع الذي لايحظى برضا موسكو بالطبع، ولذلك وصفت وزارة الخارجية الروسية ذلك التوسع باتجاه الشرق،" بأنه عامل استفزاز حقيقي، وهو بهذا الشكل ينذر بظهور خطوط فصل جديدة "، بسبب من أن توسع حلف الناتو، كما ترى موسكو لا يمت بأي صلة بتحديث الحلف ؛ أو ضمان أمن أوربا.
الشجرة الي تخفي الغابة
وعلى ضوء تلك الرؤية يسود اعتقاد واسع لدى الأوساط السياسية والإعلامية في روسيا، وغيرها من دول العالم، بأن السبب الأساسي وراء تعليق روسيا العمل بمعاهدة الأسلحة التقليدية في أوربا بينها وبين الناتو، لا يعود إلى عدم تصديق دول الناتو على تلك المعاهدة رغم جوهرية السبب، وإنما لرغبة موسكو في ممارسة المزيد من الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لوقف مشروعها الخاص بإقامة الدرع الصاروخي المضاد للصواريخ الباليستة في شرق أوربا، وهو الدرع الذي تعتبره روسيا بمثابة إعادة انتشار للوجود العسكري الأمريكي في أوربا في اتجاه أكثر اقترابا من روسيا، إذ بوسع الرادار المزمع إقامته في جمهورية التشيك فرض رقابة على أراضي روسيا حتى الأورال، حسب المصادر العسكرية الروسية.
وإذا كانت الذريعة التي تختبئ خلفها الولايات المتحدة هي مواجهة ما يسمى بالخطر الإيراني والكوري الشمالي، فكان من الأولى حسب وجهة النظر الروسية أن تقوم واشنطن بنشر ذلك الدرع في دول محاددة لطهران، لا سيما العراق الذي تتمركز فيه القوات الأمريكية والذي يبدو أنه سيستمر طويلا، أو في تركيا عضو حلف شمال الأطلسي "الناتو "، وقد أتى رفض أمريكا العرض الروسي الاستفادة من القاعدة الروسية في جمهورية أذريبيجان، ليضاعف من الشكوك الروسية في حقيقة النوايا الأمريكية جراء إصرارها على الاستمرار في نشر تلك المنظومة الصاروخية وفق المخطط المرسوم رغم العرض الروسي بوجود بدائل تحقق نفس الغرض ؛ وخاصة بعد رفضها للعرضين اللذين قدمهما الرئيس الروسي إلى نظيره الأمريكي لحل ذلك الخلاف الجوهري، عبر إنشاء نظام موسع للدفاع المضاد للصواريخ يشمل أوربا بمشاركة حلف شمال الأطلسي، وأيضا مكنة استخدام محطة الإنذار المبكر التي يجري إنشاؤها في جنوب روسيا بشكل مشترك في أغراض منظومة الدفاع المضاد للصواريخ، الأمر الذي يجعل من غير المجدي قيام واشنطن بعد ذلك بنشر الدرع المضاد للصواريخ في بولندا وتشيكيا.
ومن الملفت لنظر أي مراقب للمشهد الروسي الداخلي ذلك التأييد الواسع من النخب السياسية والإعلامية الروسية لتعليق المعاهدة، رغم ما يمكن أن يترتب عليها من إعادة تسخين للأجواء بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة وشركاءها في اوربا ؛ ذلك أن المعاهدة في نظر تلك النخب الروسة، قد قيدت روسيا، وبسبب من ذلك لم تتمكن روسيا حتى من تحريك عربة مدرعة واحدة على حدودها ولو كان ذلك لمهمات مكافحة الإرهاب ؛ ويعتبر هؤلاء أن تعليق تلك المعاهدة لن يكون له أي تأثير على روسيا، بل إن تقويض المعاهدة كما يرى رئيس الأركان الروسي " لن يلحق أي ضرر ملموس بروسيا الاتحادية، على قاعدة أن روسيا تملك من القوة والوسائل الكفيلة بضمان أمنها ومصالحها الوطنية ".
مؤشرات الحرب الباردة
ورغم كل ذلك الشعور بالغبن من تلك الاتفاقية، والاستعداد بالمقابل لمواجهة كل النتائج المترتبة على تجميدها، فإن الرئيس الروسي قد أبقى أمر العودة عن التعليق قائما، غير أن ذلك الأمر بقي معلقا على شرط بعد أن قذف بالكرة في مرمى حلف الناتو والإدارة الأمريكية تحديدا، لأن روسيا كما قال الرئيس الروسي ستنظر في مسألة استئناف مشاركتها في المعاهدة بعد قيام شركائها الأوربيين بالمصادقة على النسخة المعدلة من المعاهدة وتنفيذ بنودها، خاصة وأن الرئيس بوتين قد وعد بأن يكون" رد روسيا على نشر عناصر المنظومة الأمريكية للدفاع المضاد للصواريخ في أوربا سيكون مناسبا "، ذلك أن روسيا تنظر إلى الدرع الصاروخي باعتباره موجها لها بالأساس وليس للدول " المارقة " كما تقول الإدارة الأمريكية، خصوصا إن تم توسيع حلف الناتو،لأن طهران كما ترى موسكو لا تملك التقنية الصاروخية التي تستطيع من خلالها ضرب الدول الأوربية، كما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية أن توهم الآخرين بذلك، ولهذا السبب فإن روسيا لا ترى من داع لنشر الدرع الصاروخي بالقرب من حدودها.
وهذا المناخ السياسي أعاد إلى الأذهان الأجواء التي كانت سائدة فترة الحرب الباردة، عبر عودة المنافسة في التسلح، وهو مؤشر ذو دلالة على تمظهر بعض مؤشرات تلك الحرب، حيث لم يبق الأمر في حيز الأقوال ؛ بل انتقل خطوة أخرى باتجاه الفعل ؛ أولا عبر زيادة الإنفاق العسكري الأمريكي هذا من جانب، وفي الجانب آخر يمكن أن يحسب قيام روسيا بإجراء اختبار ناجح على صاروخ باليستي جديد أطلق من غواصة نووية، وهو الصاروخ التي أكدت المصادر العسكرية الروسية أنه قادر على اختراق الدرع الصاروخي الأمريكي، الأمر الذي دعا الرئيس الروسي إلى وصفه بالعنصر الأساسي في قوى موسكو النووية المستقبلية، باعتباره ايضا خطوة بذات الاتجاه، وذلك بالطبع يمكن أن يعطي المراقب انطباعا بأن اجواء التسلح، يمكن أن تمثل أحد المؤشرات على عودة أجواء الحرب الباردة التي يبدو أن رياحها قد بدأت تهب على تلك المنطقة من العالم.
ومن الواضح على ضوء ذلك أن روسيا باتت تهيء الأجواء لمواقف غير تقليدية، وهي المواقف التي تتابعت بعد خطوة تعليق المعاهدة، ويمكن قراءة ذلك فيما يصرح به العديد من المسؤولين الروس، ومن ذلك ما عبر عنه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بقوله " إن البنية الأساسية للدرع الصاروخية، سيعقبها رد من جانبنا، وان روسيا مستعدة لتحييد أي خطر قد ينشأ "، فيما شبه الرئيس الروسي حشد حلف شمال الأطلسي على الحدود مع روسيا، والخطط الأمريكية بإقامة الدرع الصاروخية في أوربا، بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي تعتبر على نطاق واسع أقرب نقطة وصلها العالم إلى الحرب النووية.
وفي إطار إثبات الحضور، ومن ثم القدرة على مواجهة أي تهديد يطال المصالح الروسية الحيوية، ومنها إقامة النظام الصاروخي الأمريكي في بعض دول أوربا، أجرت روسيا اختبارات ناجحة على الأنظمة الصاروخية القادرة على اختراق وتجاوز جميع منظومات الدفاعات المضادة للصواريخ، ومن المتوقع نصب الأنظمة الروسية في منطقة عسكرية في شمال القوقاز خاصة في منطقة كالينينجراد، وبهذا الشكل ستغطي تلك الأنظمة حسب المصادر الروسية جميع جنوب القوقاز وبولندا، أي حتى المكان الذي ستنشر فيه عناصر المنظومة الصاروخية الأمريكية للدفاع المضاد للصواريخ، والتي من المتوقع أن يبدأ تشغيلها في عام 2012.
المعاهدة فقدت مغزاها
وفي الرد على القرار الروسي عبر المتحدث باسم حلف الناتو جيمس أباتوري عن أسفه للقرار الروسي مشيرا إلى " أن الحلف يستعد لمناقشة هذه المسألة "، فيما حمّل مصدر في قيادة حلف الناتو ببروكسل روسيا المسؤولية بالقول بأنها " لا تريد تقديم اي تنازلات لشركائها، كما كان الحال في زمن أندريه جروميكو وزير خارجية الاتحاد السوفيتي " السابق، فيما طالب مساعد وزير الخارجية الأمريكية روسيا العدول عن قرارها تعليق مشاركتها في معاهدة الحد من القوات المسلحة التقليدية في أوربا، معتبرا " أن روسيا ترتكب خطأ بذلك التعليق، متهما موسكو بانتهاج سياسة الخطوات أحاية الجانب "، مع أن الخطوة الروسية لم تكن مفاجئة، كما يقر بذلك العديد من المسؤولين الأمريكيين، لأن موسكو سبق وأن ناقشت المسائل المتعلقة بمعاهدة الحد من القوات المسلحة التقليدية في أوربا مع الولايات المتحدة الأمريكية، لفترة طويلة، ولهذا لم يكن قرار التعليق وفقا لذلك مفاجئا لواشنطن، على قاعدة أن واشنطن كانت تعتقد أن موسكو لن تجرؤ على القيام بذلك.
ومن ثم فإن الحديث الأمريكي بأن روسيا قد ناقشت ذلك مع الإدارة الأمريكية، يعني من جهة أخرى، أن التحفظات الروسية لم تؤخذ بعين الاعتبار، ولذلك جاء إقدام روسيا على تعليق العمل بالمعاهدة، باعتبارها كانت خطوة لابد منها، لمواجهة السياسة الأمريكية، فيما يتعلق بالتعامل مع موسكو، من أجل القول أن موسكو بوتين ليست هي موسكو يلتسين، وهو ما دفع نائب وزير الخارجية الروسي إلى القول " بأن روسيا قد تنسحب نهائيا من المعاهدة، إن لم يصادق شركاؤها الأوربيين على صيغتها المعدلة "، وقد عبرت عن ذلك أيضا النائب الأول لرئيس مجلس الدوما، بأنها " لا تستبعد أن يكون قرار التعليق خطوة باتجاه إعادة النظر في المشاركة الروسية في اتفاقيات ومعاهدات دولية أخرى ".