المعارضة التونسية أمام أسئلة التغيير
السؤال الأول :
ما هي في نظركم عوائق التحول نحو الديمقراطية و دولة القانون في تونس ؟
الجواب :
تعترض المسيرة الديمقراطية الحتمية في بلادنا عوائق عدة عويصة جدا، نذكر من بينها ما يلي:
1ـ منظومة الحزب الواحد الحاكم:
منذ أن استقلت البلاد إلى يوم الناس هذا وهي تحكم من طرف نفس الحزب. و قد أوجد هذا الأخير منظومة خاصة به في الحكم، تقوم عل رؤيا معينة للقانون و للسلط و للمؤسسات و للشعب و للتداخل الكبير بينه و بين الدولة و مؤسساتها. فيكاد هذا الحزب يصبح هو الدولة و الدولة هي الحزب. و قد ارتبطت بهذه المنظومة مصالح جوهرية لشرائح واسعة في المجتمع مثل جهاز الأمن الذي يدور في فلكه ما يقرب من المليون نسمة بين الموظفين في الجهاز و أعضاء عائلاتهم. و كذلك جزء كبير من المنخرطين في الحزب و الذين لم ينخرطوا فيه إلا لأغراض انتهازية و من أجل الحصول على الإمتيازات و قضاء المصالح و خاصة من بينهم أعوان المليشيا أو ما يسمى بأعوان الإرشاد أو أعوان لجان الأحياء.
فهؤلاء كلهم لا يجدون مصلحتهم في التغيير و لا في البديل الديمقراطي. فهم أعداء له يعملون يوميا على منعه بكل الوسائل بما فيها وسائل العنف. و ليس من الواقعية و لا من المفيد في شيء الإستهانة بهذه القوة الجبارة الفاسدة التي تنخر جسم المجتمع التونسي و تجذب إلى الخلف. فهذه الشريحة المصلحية الواسعة يصعب معها تحول الملتفين حولها و المنتمين إليها بسهولة إلى مؤيدين للبديل الديمقراطي المطالبين به و العاملين من أجه.
2-ضعف التربية الديمقراطية في مجتمعنا التونسي:
بالتأكيد أن هذه النقطة مرتبطة إلى حد بعيد بالنقطة التي سبقتها. فلا يمكن بحال من الأحوال أن يحكم شعب طيلة قرابة نصف قرن من قبل نظام دكتاتوري شمولي قائم على التربية الدكتاتورية الشمولية المبنية على عبادة الفرد و ذوبان الجميع في شخص الزعيم أو الحاكم، مهما كان ساذجا محدود الطاقات و القدرات، ثم يكون مع ذلك مشبع بالتربية الديمقراطية الحقة المبنية على مبدإ الحرية و احترام الآخر و التعايش السلمي بين الفرقاء و الاحتكام في الأخير إلى إرادة الشعب. لقد قلتها مرات و أعيد ذكرها هنا إنني لست متأكدا أن العديد ممن يطالبون بالحرية و الديمقراطية اليوم سينجحون لو يتحولون إلى الحكم في إعطاء صورة ناصعة عن بديل ديمقراطي حقيقي. فمسألة التحول الديمقراطي ليست مسألة تغيير في السلطة و لا في الأشخاص، و بشكل أقل ليست مجرد مسألة تغيير في قمة هرم السلطة. و إنما هي بالأساس مسألة تغيير في العقليات و المفاهيم و هذا يتطلب وقتا و لربما أجيالا.
فلا نستغؤب أن تكون تربيتنا الجماعية في مجتمعنا التونسي هي أحد عوائق البديل الديمقراطي. فتربيتنا الجماعية هي نتاج لا أقول لعقود و إنما لقرون من التربية التسلطية القهرية. و المسألة لا تقتصر علىالمجال السياسي و بالتحديد مجال الحكم و إنما هي شاملة لجميع المجالات، انطلاقا من العائلة الخلية الأولى في المجتمع ونهاية بالدولة القائمة على سياسة شؤون المجتمع بأسره.
لكن رغم ذلك فهذا العائق لا يستطيع عرقة انطلاق المسيرة في الاتجه الديمقراطي ما دام أنه لا بد لكل شيء من بداية.
3- عجز المعارضة على توحيد صفوفها و كسب ثقة الجماهير و تعاطفها إلى جانبها:
رغم العودة التدريجية للمعارضة على الساحة السياسية في البلاد، إلا أنها لاتزال تعيش ضعفا في قاعدتها الشعبية من ناحية، و تشتتا بين صفوفها و عجزا عن توحيد تلك الصفوف. و يعود ذلك إلى الاضطهاد الشديد الذي عاملتها به السلطة المتحجرة. وهو ما جعها تعجز عن توحيد نظرتها للسلطة و موقفها منها. فهي بسبب ضعفها يتراوح موقفها من السلطة من حالة التبعية الكاملة لها و التحالف معها لصالح السلطة على حسابها بالنسبة إلى بعض الأطراف الرسمية من بينها، إلى موقف الحسم فيها و مقاطعتها بالكامل و التعويل على تحرك الجماهير على زعزعة أركانها. فهذا التنوع في الموقف من السلطة قطع طريق التقارب و التحالف بين أطراف المعارضة. كذلك اختلاف النظرة بين أطرافها في أسلوب التغيير صعب التقارب بينها. و من معوقات التقارب بين أطراف المعارضة نذكر أيضا الاختلاف الكبير في مواقفها من المسألة الإسلامية في البلاد. و هذا التشتت بين صفوف المعارضة ضعف موقفها أمام السلطة الشمولية القهرية التي لا يفيد معها إلا الموقف الموحد من قبل كل أطراف المعارضة و الدعم الجماهيري الواسع لها.
من جهة أخرى لقد عجزت أطراف المعارضة مجتمعة أو متفرقة على إرساء خطاب تغييري جدي يعيد الثقة لدى الجماهر و يدفعها للالتحاق بها و الالتفاف حولها. فالهوة لاتزال نسبيا واسعة بين الجماهير و ما تحمله من آمال و تطلعات و بين أطراف المعارضة كرموز و مؤسسات و برامج.
كل هذه العوائق ما دامت قائمة تبقى تشل المعارضة و تعيقها عن تحقيق التغيير الديمقراطي المنشود في البلاد و إيجاد دولة القانون و المؤسسات.
4- المحيط الجهوي:
لا تستطيع تونس بمفردها أن تنفصل تماما عن محيطها الجهوي و تتوجه سياسيا توجها مخالفا تماما للتوجه الذي تعيشه المنطقة. فلئن كانت الحالة السياسية من جهة الحريات و الديمقراطية في البلدان المجاورة و خاصة منها الجزائر و المغرب في وضع أفضل بكثير مما هي عليه في تونس إلا أنها لم تتحول بعد إلى نظم ديمقراطية حقيقية تقوم على الحريات و احترام الإرادة الشعبية و لا تزال طبيعتها في العموم طبيعة دكتاتورية ذات مسحة ديمقراطية سطحية. النظام السياسي في الجزائر لا يزال على طبيعته العسكرية كما نشأ عليه منذ استقلال البلاد. فالجيش الشعبي للتحرير هو الماسك بمقاليد السلطة منذ مطلع الستينات حين استقلت البلاد. و قد أوجد هذا الجيش في الجزائر منظومة في الحكم و عصبية واسعة لها و مصالح كبيرة مرتبطة بها، تماما مثلما أوجده الحزب الحاكم في تونس كما سبق لنا أن رأينا ذلك أعلاه. و الجيش في الجزائر و لئن أجاز تحت الضغوط الشديدة شيئا من الحريات المحدودة و التعددية السياسية الفاقدة للفاعلية، لا يزال متمسكا بحكم البلاد غير مستعد من أجل الحفاظ على مصالح أعضائه للتفريط في السلطة أو حتى إلى التنازل عن جزء منها إلى غيره من الأطراف السياسية في البلاد. إذن فالجيش في الجزائر يقف حجر عثرة صماء أمام أي تحول ديمقراطي صحيح في البلاد. وهو أيضا مدرك لخطر العدوى التي قد تأتنيه من الجيران فهو من هذا الجانب أيضا لا يسمح بأي تحول ديمقراطي لدى جيرانه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
أما الأوضاع السياسية في المغرب من جهة التعددية السياسية فهي من دون شك أفضل مما هي عليه في البلدين السابقين. فالمغرب عاشت بعد و لاتزال تجربة حكم أحزاب المعارضة و التي تحولت بمقتضاها أحزاب المخزن أو أحزاب الملك إلى المعارضة. إلا أن ذلك لا يعني شيئا كبيرا. فالنفوذ الكبير لا يزال بيدي الملك و وزارات السيادة من جهة تسييرها و تعيين الإشراف عليها لا تزال من الاختصاص المطلق للملك وهي بذلك لاتزال ملكية سلطوية قهرية رغم مسحتها الديمقراطية السطحية. و لم تتحول المغرب إلى حد الآن إلى ملكية دستورية تعود السلطة فيها إلى الإرادة الشعبية عبر الأحزاب السياسية و البرلمان المنبثق عنها عن طريق الانتخابات كما انتظره الجميع بعد موت الحسن الثاني. و السبب في ذلك أن المنظومة السياسية التي أوجدتها الملكية بمعية أحزاب المخزن أبت ذلك حفاظا عن مصالحها. و هذه المنظومة هي الأخرى واعية تمام الوعي بخطورة العدوى التي قد تتحول لها من دول الجوار. وهي بسبب ذلك حريصة على منع التغيير حتى عند الجيران وهي تنسق معهم من أجل تلك الغاية.
و لا يفيدنا الحديث عن الوضع السياسي الليبي فأمره لا يخفى على أحد. و أمره هو الآخر لا يبشر بخير من جهة الحريات و التحول الديمقراطي.
و هكذا فالوضع السياسي في المنطقة لا يزال متمسكا بطبيعته السلطوية المتحجرة. و إذا كان قادته إلى حد الآن قد عجزوا عجزا كاملا على الاتفاق على أي شيء لصالح شعوبهم فإنهم قد نجحوا نجاحا كاملا في التآمر على تلك الشعوب و حرمانها من حريتها في تقرير مصيرها. و هذا العائق لا يستطيع منع إرادة الجماهير إذا صممت على تحقيق التغيير.
كما يجب علينا أن لا ننسى أن منطقتنا لا تزال واقعة تحت نفوذ القوى الخارجية و مجبرة على التبعية لها. إلا أن ذلك و لئن صعب في عملية التحول الديمقراطي التي لا ترضاها تلك القوى لشعوب المنطقة إلا أنها لا تستطيع منعها إذا صممت الشعوب على ذلك.
السؤال الثاني :
كيف تنظرون إلى موعد 2004 الانتخابي و كيف ستكون في توقعكم سياسة السلطة إلى أفق هذا التاريخ؟
الجواب :
بدون أي شك، تعتبر المحطة الانتخابية لسنة 2004 محطة هامة للجنرال بن علي المتمسك بكل ما يملك من قوة بإرادة البقاء في السلطة، و كذلك للمنظومة التي ينتمي إليها و التي هي الأخرى متمسكة بالحفاظ على مصالحها و عير مستعدة أن يخرج الحكم من يدها و يتحول إلى المعارضة فتفقد بذلك مصالحها. و نفس المحطة هامة أيضا بالنسبة إلى المعارضة التي تريدها أن تكون مناسبة بالدرجة الأولى للتخلص من حكم الجنرال و من الجنرال نفسه و ما عرف به من توحش و تحجر و انحراف. و بالدرجة الثانية للتخلص أيضا من منظومة الحزب الواحد الحاكم و لربما أيضا لافتكاك السلطة منها و تحويلها إلى المعارضة حتى تتمكن من إرساء قواعد البديل التعددي الديمقراطي الحقيقي في البلاد.
و المعركة بدون شك ستكون حامية بين الجنرال و المنظومة التي ينتمي إليها و كل ما يدور في فلكها من منفعين من جانب و بين أطراف عدة من المعارضة ابتعدت عن السلطة و ما يلتف حولها من جماهير و قوى وطنية حقيقية من أجل تحقيق البديل الديمقراطي.
و رأيي أن موازين القوى في تونس لا تزال إلى حد الآن تلعب إلى صالح الجنرال و المنظومة التي ينتمي إليها. و أتوقع أنه سيتجاهل كل الاحتجاجات و يصم أذنيه على كل الأصوات المعارضة و سيواصل في مسرحية فرض ترشحه لفترة رئاسية رابعة مرورا بعملية جراحية مناسبة يجريها على دستور 1959 المنهك. و إذا ما فشل في ذلك و لا أحسبه يفشل فستقوم منظومته بدعم القوى الخارجية الحامية لها بترشيح غيره ممن هم قادرون على حماية أرباب المصالح في الداخل و الخارج. و هذا حسب رأيي دائما شيء مستبعد لأن الحزب الحاكم لم يكن أبدا حزبا ديمقراطيا يمكن أن يحصل فيه الانقلاب على القيادة. فبورقيبة أسس حزبه بعد عملية انشقاقية. و الجنرال نفسه أخذ قيادة الحزب على إثر عملية انقلابية. فمن المستحيل أن تغير قيادة الحزب الحاكم إلا بانقلاب أو على إثر موت مفاجئ للجنرال.
و ستتبع السلطة حتى موعد الانتخابات في تطبيق سياسة الترغيب و الترهيب. ترغيب المتقربين منها و المستعدين للتقرب منها. و ترهيب الحاسمين فيها و الرافضين لها. فستنشط ضد هؤلاء جهاز قمعها من البوليس و أزلام القضاة. كما ستستعمل كل دهائها في مزيد الشق لصفوف المعارضة و إذكاء التناقضات بين مختلف شرائحها. و ستحاول بذل كل الجهود لإبقاء يدها على الاتحاد العام التونسي للشعل و فرضها عليه التحالف معها. و في العموم سوف لن تأتي بالجديد في تعاملها مع الشعب و المعارضة و ستواصل التعامل مع الجميع على أساس ما عرفت به إلى حد الآن من ممارسات قمعية و مناورات ثعلبية خبيثة.
و من المتأكد أن ما سيحصل من الآن حتى حصول تلك الانتخابات المهزلة إن لم يرجح الكفة إلى جانب المعارضة و يحقق لها الغلبة على السلطة القمعية الخبيثة فسيمكن من تصعيد حدة الغليان الإجتماعي و توسيع رقعة الرفض للسلطة من طرف الشباب على وجه الخصوص. و من المفيد التذكير هنا أنني لا أتوقع تغييرا إيجابيا في طبيعة السلطة أبدا و لا في إمكانية التغيير داخلها بأسلوب ديمقراطي و لا في إمكانية التغيير الديمقراطي على مستوى البلاد ككل قبل زوال هذه السلطة. أما زوالها فلست أرى له من سبيل غير حركة الشارع و الانتفاضة الجماهرية.
السؤال الثالث :
ماذا سيكون موقفكم إذا ما أقدم الرئيس الحالي على التجديد لنفسه لولاية رابعة و هل أنتم مستعدون للانخراط في برنامج عمل وطني موحد و الالتقاء مع بقية أطراف المعارضة في إطار جبهة وطنية من أجل توفيرشروط الانتقال الديمقراطي و إقامة جمهورية حقيقية؟
الجواب :
في الحقيقة أنا شبه متأكد من تجديد الجنرال الولاية لنفسه لي