Overblog Tous les blogs Top blogs Politique Tous les blogs Politique
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

Publicité

M.MARZOUKI...حق الصحة بين النظرية والواقع المرير

لة من الأسباب .

لقد كان القول بهذه النظرية مصدرا لسلسلة من الفضاعات التي يخجل منها الطبّ والتي يتضح في آخر المطاف أنها لم تكن لا ضرورية ولا حتّى مفيدة . إن المردود السلبي لهذا الخيار أهم بكثير من إيجابياته . مثلا إذا قلنا بضرورة كشف السرّ المهني في عوز المناعة المكتسب فإن هذا سيؤدّي الأغلبية إلى تفادي التقصّي خوفا من الترتّبات وهو ما يسهّل انتشار الوباء في حين إن ثقة الإنسان بطبيبه واعتقاده الراسخ بأنّه لن يفشي سرّه هي التي ستدفع به تلقائيا إلى طلب الإختيار وتحمّل مسؤوليته .

إذا قلنا الأن بأولوية "الإنسانية " المجرّدة على الإنسان في البحث عن الأدوية أو اللّقاحات الناجحة فإنّنا ننسى أن الإنسانية متجسّدة دوما في الإنسان وأنه لا معنى للتصرّفات اللاّنسانية بإسم الإنسانية ، كما أننا ننسى أن هناك دوما من هم مستعدون للتضحية في سبيل المصلحة العامة وأن علينا في حالة التجارب الطبية الضرورية أن نتوجه لحسّ المسؤولية لا أن نمارس الغش والخديعة . إذا قلنا الآن بأولوية مصلحة النظام السياسي لتبرير المشاركة في أي انتهاك لحقوق المريض فإنّنا ننسى أن الطبّ بمتطلباته الأخلاقية قار أزلي في حين أنّ تغيّر الأنظمة هو القاعدة ، وقد يسأل الطبيب مثلما حدث ذلك مرارا في التاريخ عن مسؤولية إذا ما انهار النظام الذي خدمه .

إنّ الإجماع اليوم على التصدّي لكلّ التجاوزات والانتهاكات والحفاظ على أقصى قدر ممكن من الأخلاقية الطبية شبه تام مما أدّى إلى تزايد عدد القوانين والمؤسسات الساهرة على فرض احترام أخلاقيات المهنة وهي علاوة على الفصل الخامس والعشرين للإعلان :

- إعلان مبادئ الأخلاقيـة الطبيّة (1982) : يطرح هذا الإعلان جملة من القواعد الأخلاقية التي يجب على الاطباء اتّباعها ويجعل من تحريم المشاركة في التعذيب مطلقا قيميا .

- قواعـد معاملـة السجناء 1984 ـ 1977 ـ 1995 : يعطى هذا النصّ للسجناء الحق المطلق في الصحّة والعلاج دون اعتبار لأي من المعطيات الأخرى.

ـ إعلان نور مبرج (1947) . يتعرّض هذا الإعلان لقواعد التجريب في الطبّ ، ويحرّم كلّ أشكال منه لا تستجيب لهذين الشرطين: أن يتم إعلام المريض بالتجربة ، ان يعطي موافقته على أساس قصى قدر ممكن من الحريّة والإدراك.

- إعلان هاواي (1983 ـ 1977) : يحرّم هذا الإعلان استخدام الطبّ العقلي للأغراض السياسية كما يحرّم فرض العلاج ، ويطالب بإعلام المرضى وعائلاتهم بكافة حقوقهم ومن جملتها كيفية التعرّض لقرار الإيداع الإجباري في المستشفيات العقلية .

- إعلان طوكيو (1975) : يحرّم هذا الإعلان تحريما قطعيا على الأطباء المشاركة من قريب أو من بعيد في التعذيب ولو كان ذلك تحت التهديد .
- إعلان أثيـنا (1979 ) : يخصّ هذا الإعلان حقوق المساجين الطبية وهي نفس الحقوق التي يتمتّع بها كلّ الناس.

بجانب كلّ هذه النصوص نلاحظ بروز ظاهرة جديدة تتمثل في إحداث ’’ لجان الأخلاق الطبية’’ سواء على الصعيد الوطني أو المحلي ( جامعة مستشفى ) تضم اختصاصين من ميدان الطبّ والعلوم الإنسانية والاجتماعية ويوكل إليها بمهمّة حماية حقوق المرضى الإرشاد والتوجيه بخصوص الأبحاث الضرورية .

ب- الحقّ في أسباب الصحّة في زاد المسافر تقرأ لابن الجزار الدوافع لتأليفه، " إلاّ أنّي رأيت كثيرا من الفقراء وأهل المسكنة يعجزون عن إدراك منافع ذلك الكتاب وغيره من سائر الكتب التي ألفها الحكماء في حفظ الصحة للأصحاء ورد المريض إلى الصحة لفقرهم وقلة طاقتهم الخ...".

لنلاحظ الإختلاف الهام بين هذا وتعريف ابن سينا (حفظ الصحة وبرء مرض ) فمن جهة وقع التّاكيد على أن حفظ الصحة مسألة تهم الأصحاء أي الجماعة ككل ولا تتعامل مثل ما توحي به الأرجوزة مع فرد مهدد .

إن حفظ الصحّة هو اليوم المفهوم المركزي في فلسفة المنظمة العالمية للصحة . ومن هذا المنظور فإن الإشكالية الأساسية ليست توفير المستشفيات بقدر ما هي توفير الأسباب التي تمكّن الأغلبية من الحفاظ على هذه الصحة التي عرفها المثل العربي بأنها ’’ تاج على رأس الأصحّاء لا يراه سوى المرضى’’. إن تقرير المنظمة حول الصحة في العالم لسنة 2003 يظهر الهوّة الرهيبة بين الحق في أسباب الصحة التي تحدّث عنها الفصل الخامس والعشرون وبين الواقع. ففي هذا التقرير نقرأ أنّ عشرة أسباب فقط تتسبّب في ثلث الحمل المرضي سواء تمثل في نسبة المراضة morbidité أو الوفيات mortalité . هذه الأسباب هي نقض البرويتينات والحديد واليود والزنك والفيتامين أ ونقص المياه الصالحة للشرب والتدخين والعلاقات الجنسية غير المحروسة وارتفاع الضغط وارتفاع نسبة الكوليسترول .

إن عوامل الخطورة هذه تتسبب في مجازر صامتة حيث يرتفع عدد الجوعانين إلى سبعمائة مليون نسمة . كما يعاني مائة وسبعين مليون طفل من نقص الوزن ويتسبب نقص الدم في موت ثلاثة ملايين شخص . إن أغلب العوامل ناتجة عن الفقر المدقع حيث يعيش نصف البشرية على دولارين للشخص في اليوم الواحد وثلث البشرية على دولار يتيم . كما إن هذا الفقر يتوسّع باطّراد نظرا للسياسات المتبعة حاليا في ظل العولمة المتوحشة وتفاقم الهوة بين من يملكون ولا يملكون. وفي ظل هذا الوضع القاتم نفاجأ بأن العالم وخاصة الثالث منه يواجه آفة نقص المناعة المكتسب وهو خلافا لما يشاع مرض جدّ مرتبط بانتشار الفقر. فثمة اليوم شبه جائحة من هذا المرض ليس فقط في إفريقيا جنوب الصحراء ولكن أيضا في الهند والصين وروسيا . لقد أظهرت الدراسات الوبائية ان انتشار المرض مرتبط بانتشار الدعارة وهذه تتبع طرق انتشار التشرّد الاقتصادي والبحث عن العمل ومخيمات اللاجئين . تظهر الدراسات ايضا ارتباط المرض بانخفاض المستوى المعيشي والتعليمي مما يجعل العلاج الفردي رغم ضرورته مجرّد محاولة إطفاء الحريق بملاعق القهوة. فعلى الصعيد العالمي والاجتماعي لا نستطيع ربط انتشار نقص المناعة المكتسب إلا بتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي علما وأن المرض بدوره أداة لتعميق الأزمة. نعود هنا للفكرة التي أشرنا إليها في البداية ألا وهي أن الحق في الصحة لا يؤخذ معزولا عن بقية الحقوق ، فتمتّع البشر أينما وجدوا بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هو السبيل لتمتعهم بحق الصحّة وما عدا ذلك علاج عرضي لمرض مستفحل نقبل بانتشاره لعجزنا عن التفاعل معه على مستوى الجذور العميقة. إن هذا ما يجعلني أدافع داخل الوسط الطبي على أن الأغلبية الساحقة للأمراض التي تعاني منها البشرية هي انتهاكات حقوق الإنسان مثل التعذيب والمحاكمات الجائرة . فمرض الملايين الناجم عن سوء التغذية أو التسمّم بالتدخين والكحول ، لأن وراءها شركات عملاقة تحثّ على التدخين ، ليس قضية قضاء وقدر وإنما نتيجة وضع اقتصادي واجتماعي محلي وعالمي يقصر الصحة مثل الحرية والحرمة الجسدية على أقلية ويحرم منها الأغلبية .

ج‌- حق العلاج

يوجد اليوم في جنوب الصحراء 28 مليون مصاب بمرض نقص المناعة المكتسب . لا يتحصّل على العلاج سوى واحد في المائة . أما البقية فيتركون لموت محتوم رغم وجود أدوية تقلّل من خطورة افصابة وتطيل العمر نسبيا. هذه الأدوية مملوكة البراءة من قبل الشركات الصيدلية الكبرى وخصوصا الأمريكية وترفض التخفيض في ثمنها بحجّة تكاليف البحث العلمي . وقد هدّدت هذه الشركات في نهاية التسعينات بمتابعة حكومة جنوب إفريقيا قضائيا لأنها أرادت صنع أدوية مماثلة منقولة medicament générique . هذه الأدوية التي يمكن إنتاجها محليا تتكلّف لعلاج الشخص الواحد بتسعين دولار سنويا بينما تصل التكلفة في أمريكا على عشرة آلاف دولار . يعطي الفرق بين الرقمين حجم الأرباح الهائلة التي تحققها الشركات الصيدلية العالمية بالاحتفاظ ببراءة هذه الأدوية.

وثمة ميدان آخر تتضح فيه أهمية الصراع بين الحقّين هو مرض الملاريا . إنه مرض يقتل ثلاثة ملايين شخص في العالم خاصة من أطفال العالم الثالث. لكن هذا المرض على خطورته وانتشاره لم يحظى بما يستحق من البحث العلمي لأن الشركات الصيدلية الكبرى التي تمتع بإمكانيات القيام بمثل هذه الأبحاث غير معنية بدواء لا يستهلك إلا فقراء العالم الثالث الذين لا يتوفرون على أي مقدرة شرائية . لذلك تفضّل هذه الشركات تركيز البحث على أمراض العالم الغني وعلى مشاكل الكماليات فيه مثل محاربة الصلع .

ثمة إذن تناقض جذري بين حق الصحة و’’حق’’ الربح كما تفهمه الشركات الصيدلية الكبرى . لقد أثارت عملية تسليع الصحّة التي تحرم حتى الفقراء في أمريكا من الدواء لغلائه الفاحش ، سخط المنظمة العالمية للصحة . فقد شجيت في بيان ماي 2001 حرمان الفقراء من الدواء لأسباب تجارية بحت. أما لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بيان نوفمبر 2001 فقد ركّزت على حق الدول في استعمال الأدوية الضرورية لصحّة مواطنيها بغضّ النظر عن قضية الملكية الفكرية . كذلك أصدرت لجنة حقوق الإنسان في أفريل 2001 بيانا تقول فيه : ’’ إن الحصول على الأدوية المضادة لنقص المناعة المكتسب جزء هامّ من حق كل شخص في تحقيق أعلى قدر ممكن من الصحة الجسدية والنفسية ’’ . لكن أهمّ موقف هو الذي اتخذته اللجنة الأممية لحماية الملكية الفكرية في بيان سبتمبر 2002 حيث تقول : ’’ إن نظام الملكية الفكرية عامل معيق للتمتع بحق الصحة ولا يلعب دورا هامّا في تنشيط البحث العلمي’’. بهذا الموقف تكون اللجنة قد فضلت حق الصحة على حق الملكية أو بالأحرى على حق الربح المفرط ولو على حساب صحّة الملايين .

* وفي الختام يتضح لنا أن حق الصحة ليس حقا في المطلق إنه حق يواجه ’’ حقوقا ’’ أخرى منها ’’حقّ ’’الأطباء النازيين في تشريح المرضى وهم أحياء و’’ حق’’ الطبقات الغنية في الاستيلاء على جلّ الثروات التي بدونها لا تتوفّر شروط الصحة للأغلبية ، و’’حق’’ الشركات الصيدلية في بيع الأدوية بأغلى ثمن ممكن . ومن البديهي أنّ كل هذه ’’ الحقوق’’ تستمدّ وجودها من شكل أو آخر من القوّة بل قل من العنف . لا غرابة أن يكون حق الصحة مثل بقية حقوق الإنسان غير قابل للتحقيق طالما لا توجد وراءه قوّة قادرة على فرضه . هذه القوّة ليست العنف وإنما الشرعية والأخلاق وأيضا السياسة الاجتماعية العادلة وفي آخر مرحلة الجزاء إن تطلّب الأمر.

يتضح أن التمتع بحق الصحة يمرّ عبر جهد جماعي ونضال لا يفتر ضدّ مقاومة قد تأتي من حدود الاقتصاد وطبيعة المجتمع لكنها تأتي أساسا من طبيعتنا الازدواجية التي تجعل التجنّد لحق إنسان (خاصة إذا كان الشخص نفسه) أسهل من التجنّد لحقوق الإنسان .

Publicité
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article