ويصب في ذات المجرى إعادة تنشيط الأسطول الحربي الروسي، عبر القيام بزيارات للعديد من الموانئ المتوسطية، وولا شك أن القيادة الروسية تحاول أن تقول من خلال كل ذلك أنه لم يعد مقبولا في السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين، أن يكون هناك قطب واحد، يتحكم في مصائر السياسة الدولية، وبسبب من ذلك فقد عادت الحرارة إلى أوصال الصناعة العسكرية الروسية التي تتكئ على رصيد هائل من الخبرة والكفاءة العلمية الممتدة لعقود، ومستفيدة من رؤية استراتيجية لدور روسي جديد في العالم، ساعدها في ذلك تحلل الاتحاد الروسي من الأعباء الاقتصادية التي كانت موسكو (السوفيتية)، تنوء بها بالنيابة عن عواصم أوربا الشرقية، على حساب تطور اقتصاد ومستوى معيشة المواطن الروسي.
واقعية سؤال الحرب الباردة
ومن ثم إذا كان صحيحا أن معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية، بصيغتها السابقة كانت مجحفة بحق روسيا، إلا أن إصرار الولايات المتحدة على نشر الدرع الصاروخية رغم وجود المعاهدة، إنما جاء ليعيد الأمور إلى سياقات أخرى، تتجاوز حدود المعاهدة إلى سؤال علاقة الولايات المتحدة الأمريكية ومعها أوربا بروسيا الاتحادية القرن الحادي والعشرين، الأمر يجعل من الشك الروسي في أن الحرب الباردة قد انتهت، سؤالا واقعيا وليس افتراضيا، وفي هذا السياق يأتي تحذير الرئيس الروسي من أن روسيا لن تنجر إلى سباق التسلح ولكنها ستطور أسلحة جديدة.
وذلك من شأنه أن يطرح السؤال المركزي الذي يقول ؛ هل كانت الحرب الباردة تستهدف الاتحاد السوفيتي السابق كنظام سياسي اجتماعي اقتصادي سياسي ؟ أم أنها كانت تستهدف روسيا القارة (بمعنى الجغرافيا) بكل تأثيراتها وقدراتها وموقعها الجيوسياسي الممسك بآسيا وأوربا والقطب الشمالي وهي بسبب من كل ذلك لا زالت مستمرة، ومن ثم فإن اي قراءة وفقا لتلك المعطيات يمكن أن تكون هي السبب وراء قيام روسيا بضخ المزيد من الأموال في شرايين الصناعات العسكرية الروسية بمختلف أصنافها، يؤشر إلى ذلك قيام القوات المسلحة الروسية بتجربة رأس مدمر يحمله صاروخ " رس24 " بإطلاقه من غواصة " تولا " باسم سينيفيا، (أي زرقة السماء) في 2007/12/25، كما جربت القوات المسلحة الروسية صاروخا مطورا جرى إطلاقه من البر، اصطلح على تسميته " بالصاروخ الخفي "، لأنه قادر على اجتياز أي شبكة مخصصة لاصطياد الصواريخ، ويفترض أن تحل الصواريخ الخفية محل الصواريخ القديمة، وكل ذلك يأتي في إطار مواجهة توسع حلف النتو باتجاه الحدود الروسية.
والسؤال من بعد هل يمكن عزل هذا التوجه نحو تطوير القدرات الروسية والاقتصادية مع تحديث المنظومة الاستراتيجية، بالتوازي مع الوقوف المتدرج والمتأني في مواجهة السياسات الأمريكية، بمعزل عن سعي روسيا لاستعادة الدور الذي كان يلعبه الاتحاد السوفيتي السابق كند مواز للولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الأوربيين ؟، فكيف الحال وهي الآن تمتلك كل تلك القدرات الاقتصادية ؟ وهل التعليمات التي صدرت لمدرسي التاريخ، التي يصفون فيها الحقبة السوفيتية " في كتب مدرسية " بأنها قدوة حسنة للملايين من سكان العالم، ومثال للنظام الاجتماعي العادل، يمكن أن تكون بلا دلالة أو مغزى..؟
وأخيرا فإن أوساطا سياسية وعسكرية وأكاديمية روسية تعتبر أن قرار تعليق معاهدة الأسلحة التقليدية، بمثابة تصويب للعلاقة الروسية مع حلف الناتو، الذي يتمدد شرقا، ويواصل العمل على حصار روسيا، وعلى ضوء هذا المشهد يمكن القول أن مؤشرات حرب باردة جديدة في نسخة أخرى تختلف في مكوناتها الأيديولوجية والسياسية عن تلك التي حكمت العلاقات الدولية خمسة عقود تلوح في الأفق، ليكون السؤال هل هذه المؤشرات ذات الأبعاد الاستراتيجية مرتبطة بوجود الرئيس فلاديمير بوتين نفسه ؟ أم أنها من ضمن استراتيجية الدولة الروسية مهما اختلفت القيادات، بالتأكيد تلك هي المسألة.
_______