وفي عدد آخر من نشرة المركز الدولي للدراسات الامريكية والغربية، يفيد المؤلفان بان استقصاء اجري عام 2004، اظهر ان 36% من اليهود الامريكيين لا تعنيهم اسرايئل بتاتا (70% من اليهود الامريكيين لم تطأ اقدامهم اسرايئل قط). لا يوجد اجماع بين مختلف فعاليات ما يسمى بـ "الجالية اليهودية الامريكية" ازاء السياسات الاسرائيلية. بالاضافة الى آيباك ومؤتمر رؤساء الجاليات اليهودية الكبيرة (وهم متطرفون ومتعصبون لاسرائيل، ومعارضون للعملية السلمية في أوسلو ويدعمون السياسات التوسعية الليكودية) يضم اللوبي ايضا مسيحيين انجليكيين ( غاري بور، جيري فولويل، رالف ريد، بات باترسون، ديك آرمي، توم ديلي) ومحافظين جدد (جون بولتون، روبرت بارتلي (مدير تحرير وول ستريت جورنال) ويليام بينيت، جين كيركباتريك، جورج ويل (كاتب وصحفي ذو نفوذ). "امام جمهور امريكي قال ارييل شارون " عندما يسالني الناس عن كيفية مساعدة اسرائيل اقول لهم ادعموا آيباك" اي ان آيباك هي منظمة عميلة لحكومة اجنبية تشدد الخناق على الكونغرس ولا تسمح له بمناقشة السياسة الامريكية ازاء اسرائيل"[3].
من جهته، جوزيف مسعد (استاذ السياسة العربية الحديثة في جامعة كولومبيا) قام بازالة الغموض الغيبي وحطم كثيرا من الحجج المتعلقة بهذا الجدال الجاري. و"يقدم فهما موضوعيا للوبي الموالي لاسرائيل في الولايات المتحدة الامريكية في سياق السياسات والمصالح التي تضعه في المكان اللائق به: في خدمة مصالح الشركات الامريكية. وفي الوقت الذي يقرّ فيه مسعد ويبرز القوة الهائلة التي يتمتع بها اللوبي الموالي لاسرائيل في الولايات المتحدة الامريكية، فانه يصرّ على ان الحكومة الامريكية هي المسؤولة عن وضع السياسات التي يدعمها هذا اللوبي"[4].
على ضوء هذه الاراء وغيرها كثيرة اخرى، اعتقد انه لكي نفهم بشكل افضل جوهر هذه المعضلة، يجب ان ننطلق قبل كل شيء من الاعتبارات التاريخية ـ الثقافية والاجتماعية ـ السياسية للنظام السياسي الامريكي:
· اليهود الامريكيون في معظمهم مندمجون ومنخرطون في النسيج الاجتماعي ـ السياسي للامة الامريكية، بمعنى، انهم يشكلون جزء عضويا من المجتمع الامريكي منذ تشكله كمجتمع.
· هيكلية الحكومة وآليات أداء النظام السياسي الامريكي تسهل المهمة امام مجموعات الضغط اوالمصالح في الولايات المتحدة الامريكية، حيث يلعب المال دورا حاسما في الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
· المصالح القومية الامريكية تحددها وتحسمها الطبقة المسيطرة بمجملها ولا تستجيب بالتحديد لعرق او اثنية او حزبية الذين يروجون لها، بل تستجيب فقط للاوليغارشية فوق الامبريالية التي تمر بطور العولمة.
· العلاقات والمصالح الخاصة بين الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل، يمكن فهمها اذا ما انطلقنا من حقيقة ان اسرائيل ومصالحها، من منظور امريكي ( على ان سيرورتها التاريخية من اسرائيل الاسطورية الغيبية، مرورا بدولة موائمة، دولة مطية، دولة حليفة، دولة شريكة، دولة حليفة استراتيجي ولغاية الآن) اصبحت مصلحة حيوية امريكية.
· البرنامج النووي والاسلحة النووية التي بحوزة دولة اسرائيل الصهيونية، يقع خارج المساءلة الدولية (مجلس الامن الدولي واللجنة الدولية للطاقة الذرية) لانه مفهوم ومقبول ضمنيا انها تخص القوة العظمى، التي ابتكرت وطورت السلاح النووي، وتتمتع اسرائيل بحصانة كبقية القوى الاعضاء في النادي النووي.
نظرا لكل هذه الاعتبارات نتفق مع راي جوزيف مسعد ولا نرى اي تناقض في دور آيباك في النظام السياسي الامريكي.
هشاشة الحجج بخصوص العلاقات بين الولايات المتحدة الامريكية و اسرائيل.
فيما يتعلق بنوع العلاقة الرسمية القائمة بين امريكا واسرائيل، تثبت التجربة المعاشة والمحققة ان اسرائيل تخضع سياساتها لمتطلبات الادارة الامريكية وتاخذها على محمل الجدّ.
في 8 نوفمبر 1956، كان لدى الاتحاد السوفييتي خطة عسكرية لتوجيه ضربة قاصمة لاسرائيل، في حال عدم انسحابها من سيناء المصرية وفقا لقرار الامم المتحدة. لكن بن غوريون كان خائفا من رد الفعل الامريكي اكثر من خوفه من التهديد السوفييتي.
في 12 مارس 1957، وخلال اجتماع الحكومة الصهيونية، قال مؤسس دولة اسرائيل "لا ادري ماذا سيكون مصيرنا (...) ان قوى مثل هذه القوى يمكنها ان تجبرنا على الرحيل. صحيح ان فرنسا وبريطانيا قررتا دخولنا واحتلالنا لسيناء (...) انني اخاف من امريكا اكثر من خوفي من العالم باسره (...) الولايات المتحدة الامريكية ستجبرنا على الخروج من سيناء ولا تحتاج لارسال اي جيش لذلك؛ يكفي ان تعلن قطع العلاقات الدبلوماسية معنا؛ يكفيها ان تعلق الدعم المالي"[5].
عندما يوجد انسجام وتناغم بين السياسات والمصالح لكلا الدولتين، فان اسرائيل تستطيع ان تقرر ما تشاء واذا انعدم فان الولايات المتحدة الامريكية هي التي تقرر ولصالحها:
· عام 1956 اجبرت امريكا اسرائيل على الانسحاب من سيناء وقطاع غزة.
· اجبر جيمي كارتر مناحيم بيغن على التوقيع في 1978 ـ 1979 على اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر والتصالح معها والانسحاب وتفكيك مستوطنات.
· عام 1991، اجبرت امريكا اسرائيل بعدم الرد على القصف العراقي ب 47 صاروخ سكاد، خلال حرب الخليج الاولى.
· جورج بوش الأب اجبر اسحق شامير على حضور مؤتمر مدريد عام 1991، رغما عن ارادته.
· ويليام كلينتون اجبر بنيامين نتنياهو على التوقيع على خطة اعادة الانتشار واتفاق واي ريفر عام 1998.
· ضغط جورج بوش على أرييل شارون لكي ينفذ خطة الانفصال من طرف واحد عن غزة عام [6]2005.
بهذا التأمل الموجز، نترك للقاريء حرية "استخلاص النتائج" وفقا لما ينصح به رينالدو تالادريد، زميلنا الكوبي مدير
برنامج "رحلة الى المجهول" وصحفي متخصص بالشؤون الامريكية، في المؤسسة الكوبية للراديو والتلفزيون..
[1] اخوان خيلمان "ليس كل متماثلين متساويين" . نشرة إنتورنو، العام الرابع، رقم 28، الصادر في 3 ابريل 2006.
[2] http://www.icaws.org/site//modules.php?name=News&file=article&sid=6618&mode=&order=0&thold=0
[3] جون ميرشمير و ستيفن والت "اللوبي الاسرائيلي يسيطر على الكونغرس والادارة" على موقع http://www.icaws.org/site//modules.php?name=News&file=article&sid=6562&mode=&order=0&thold=0
[5] محمد البحيري، "تفاصيل الخطة السوفييتية لقصف اسرائيل عام 1956". موقع دنيا الوطن بتاريخ 17 يناير 2005. http://www.alwatanvoice.com
[6] ماجد كيالي، " قوة وضعف العلاقات بين امريكا واسرائيل ، نشر يوم 31 اغسطس 2005 في موقع دنيا الوطن WWW.ALWATANVOICE.COM