هل آن الأوان لتغيير الخطاب؟
جواب منصف المرزوقي
الجمعة 25 كانون الثاني (يناير) 2008.
http://www.cprtunisie.net/article.php3?id_article=598
ثمة اليوم داخل "المؤتمر من أجل الجمهورية" تساؤلات، وحتى رغبةعند البعض براجعة مؤلمة في التوجه السياسي عموما وفي طبيعة خطابنا"الراديكالي" على وجه الخصوص.
الدافع لهذا التساؤل موقف محبط عند البعض ( بنصب الباء) وموقف محبط ( بخفضها) عند البعض الآخر...ربما نتيجة الاحتكاك ، بل قل التسمم،ب"ميكروكوزم " سياسي مأزوم.
ولأن المؤتمر ليس حزبا بقائمة منخرطين مغلقة وإنما شبكة مفتوحة لأناس يتقاسمون نفس القيم والأفكار، فإنني رأيت من واجبي طرح هذا السؤال على كل الجمهوريين والوطنيين : هل تقادم فعلا خطاب
المؤتمر وهل آن الأوان لتغييره؟
ما الزبد وما الموجة ؟
منطلق النقاش فكرة أن خطابنا " ما عادش ماشي" بل أنه أصبح يقابل بالتهكم في بعض أوساط " ميكروكوزم " مطوّق بوليسيا ومخترق مخابراتيا، يمارس السياسة في رقعة منديل ،في ظل قواعد مغشوشة
سنتها دكتاتورية تجمع بين قدر كبير من الغباء و قدر أكبر من الخبث.
لكن ما أتلقاه من رسائل على موقعي، ومن مكالمات من أناس لا أعرفهم، والحفاوة البالغة التي يكرمني بها كل من يلاقوني في الشارع ، وتواصل دعوتي ودعوة قيادات المؤتمر للقنوات التلفزية
الكبيرة والصغيرة -رغم ما تبذله السلطة من ظغوطات ل" قطع " لساننا -ووجود كتاباتي على المواقع التونسية والكثير من المواقع العربية...كل هذا يعطي انطباعا معاكسا بأن الخطاب "ماشي...على الأقل مطلوب
.
هنا على المرء أن يكون بالغ الحذر. قد يكون كل هذا زبد، والموجة لا واقعية وعقم ما ننادي به. لكن ماذا لوكان تهكم "الميكروكزم"، هو الزبد، والموجة العاتية هي خطاب المؤتمر الذي تجاوز
حدود تونس ليصبح تيارا داخل الخطاب السياسي العربي المعاصر؟
كيف يمكن الفصل بين الاحتمالين؟ بداهة بتحديد مقياس ال" مشيان" ؟ هل هو قبول " الميكروكوزم" به وتوحده حوله ؟ هل هو تغلغله بين الشباب؟ هل هوفي ما يثير من زوابع فكرية ؟ هل هوفي خروج
الجماهيرإلى الشارع ؟ يؤدي استعراض كل هذه الأسئلة إلى تساؤلات أعقد. مثلا ما قيمة" الميكروكوزم" الفعلية ؟ ما أهمية تجمعه حول أي خطاب ولو كان خطاب المؤتمر؟ بل هل من الممكن أن يتجمع أصلا حول أي خطاب،
وهو المبني أساسا على الصراعات الشصية والحزبية ؟ وبخصوص التأثير، هل نعتبر أن الخطاب فشل لمّا لم تخرج الجماهير للشارع حال انتهائي من النداء للمقاومة من منبر الجزيرة في أكتوبر 2006... أم هل أنه
بمثابة زرع لبراعم تحتاج لسنين حتى تنضج وبالتالي لا حكم قبل سنوات؟ آنذاك كم من سنوات قبل القول أننا دخلنا في أيدولوجية المهدي المنتظر؟ ولأن تواصل المسار،أوتغير وجهته ، أو توقفه، مرتبط بما نقرّر
أنه أقرب الاحتمالين إلى الواقع، فلا بدّ لنا من الفصل بين " ماشي" أو " غير ماشي".
كيف ونحن لا نملك معطيات موجودة في طيات الغيب وفي إطار استحالة الاحتكام للفيصل الأكبرأي الانتخابات النزيهة (أو استطلاعات الرأي العلمية) ؟ المخرج الممكن هواستعراض تبعات الفرضيتين على
الصعيد الشخصي والجماعي، ثم الخيار بينهما على أساس طبائع واستعدادات الشخص أو مراهناته.
لنبدأ بتصور تبعات قبول مقولات : طلّق عنك هذه المواقف الجذرية ، فهذا شعب ميت وهذاوضع عالمي لا يسمح بالتغيير، وقدرنا الاستبداد لأننا شعوب متخلفة موبؤة إلى الأبد الخ . أمامك في هذه
الحالة ثلاثة خيارات : - أن تنسحب من الساحة السياسية وحتى الاجتماعية ساخطا ، ناقما ، متألما، يائسا، بائسا.
أن تستسلم وتدخل في سلك متسولي الإصلاح ( حتى بافتعال شيء من التشدد و الكبرياء ) ومنخرطا في
اللعبة موهما نفسك والآخرين بقدرتك على استغلالها وتفويضها .
أن ترفع التحديات وتقاوم . بديهي أن أنبل خيار هو الأخير...وأنه لا يقارن بخياري الانسحاب أو الاستسلام .
كل من خبروا الحياة يعرفون أن الصعاب عندما لا تدمّرالشخص ترفعه ودورها في شحذ العزيمة واستنفارطاقات الخلق .لذلك كانت نصيحتي ولا تزال : إن وصلت مفترق طرقات اختر أصعبها. ما أبلغ مقولة
لاوتسو " وبالصعب يكون السهل وبالسهل يكون الصعب". ما أروع أيضا مقولة كيرجارد " ليس الطريق هو الصعب وإنما الصعب هو الطريق" .
إلا أنه من البديهي أن الأمر في المستوى الذي يشغلنا ليس أن تكتسب نفوسنا "عضلات" معنوية شبيهة بعضلات الجسد عند هواة رياضة كمال الأجسام. فالموضوع هو رفع التحديات وقبول كل الصعاب ،لا
لجمالية الموقف ، وإنما لإنجاز هدف سياسي قابل للتحقيق : الاستقلال الثاني. هذا ما يؤدي بنا الآن لتصور تبعات التخلي عن خطاب المقاومة على الصعيد السياسي العام .
بالطبع لن يؤدي توقفه إلا لمزيد من استشراس الدكتاتورية بما أنها روّضت أعتى خصومها، ولسقوط سقف كان يجبر الصادق وغير الصادق على تعديل مواقفه على علوّه. المضحك أن تكتشف أحيانا في فم من
سخروا من خطابنا، ومن اتهمونا بالانفلاتية ، الكثير منه.
لا تستغربوا قيام تحالف سياسي على الأفكار والقيم التي نمثلها وأن نقصى منه ، لأن هاجس بعض الأطراف إخراجنا مما يتصورونه سوقا يجب التخلص فيه من المنافسين، لا ساحة معركة كلنا بحاجة
لبعضنا البعض. صدقوني إن قلت ليأخذوا افكارنا و يتزعموا ويقودوا إذا كان ذلك في الاتجاه الذي تتطلبه المرحلة. لكن للأسف ما جربتهم منهم على الدوام سيناريو لم يتغير منذ سنين و في ثلاثة فصول :
العداء لمقولات طرحناها من بداية التسعينات أي أننا امام دكتاتورية ، أن قضية النهضة ليست فقط قضية حقوق إنسان ،
أن على كل القوى المناوئة للدكتاتورية التوحد بغض النظر عن الأيدولوجيا الخ ... -الاستيلاء على أفكار شقت طريقها في عقول وقلوب الناس رغم سنوات من الإنكار ثم جرّالأقدام.
تمييعها وإفراغها من محتواها،وشتان بين المتبني متأخرا ضرورة وحسابا ، و بين الآباء الطبيعيين.
على كل حال أي خسارة في سقوط خطاب شكّل ولا يزال عامل ضغط على السلطة والمعارضة على حد السواء ! إذن أسلم ، الخيارين للمناضل الحقيقي وللمجتمع ، التمسك بفرضية "الخطاب ماشي".
لكن هذا الخيار، وإن يعفينا من ضغط الطرف الآخر للانخراط في مقولاته ومصالحه ،فإنه لا يعفينا من ضرورة محاسبة النفس الصارمة. يمكن مثلا أن يكون " الخطاب ماشي" ، لكن في إتجاه خاطئ يقودنا
إلى باب مسدود. هذا ما يجرنا لقضية متانة مضمونه ، بغض النظر عن قبوله من عدمه. لنذكّر أن خطاب المؤتمر يتميز بثلاث أطروحات يحلل بها الواقع السياسي التونسي، و العربي .
1- نحن أمام نظام سياسي لا يصلح ولا يصلح. 2-لا حل أمام شعبنا - وأمتنا- غير تنظيم مقاومة مدنية سلمية لإنهاء الدكتاتورية ومنع تجددها. 3- لهذا يجب تجميع القوى السياسية الضرورية ، لا من
أجل تحقيق وحدة المعارضة بكل طيفها ، ولكن من أجل رصّ صفوف القوى الفاعلة... لا على الحد الأدنى الذي يضمن وجود أكبر عدد ممكن من مكونات" الميكروكوزم" ،لكن على المطلوب لتخليص شعبنا وأمتنا من الفيروسات
التي نخرت فيه (ها) لنتفحص هذه المقولات الثلاث الواحدة بعد الأخرى بعقلية الطب أي بتحكيم منطق التشخيص الموضوعي، لا يهمنا ما تكلف استنتاجاته من وجع للطبيب - إذا اتضح خطأه- أو للمريض إذا اتضحت خطورة
إصابته.
* 1- نحن أمام نظام سياسي لا يصلح ولا يصلح
أسهل وسيلة للتأكد من صدقية المقولة استعراض ما حصل منذ التصريح بها سنة 2000 إلى اليوم. لو أن الدكتاتور استقبل رؤساء أحزاب و تنظيمات هو ونظامه معترف بها ،(مصطفى بن جعفر ومية الجريبي
ومختار الطريفي وخديجة الشريف على سبيل المثال)...ولو ترك الرابطة تعقد مؤتمرها دون تدخل سافر وخبيث... ولو أحدث تغييرات ذات مغزى في حكومته ليدخل وجوها قادرة على فتح الخطوط مع المجتمع المدني ... ولو
أمربمحاكمة ابن أو أخ زوجته عندما سرق اليخت الفرنسي الشهير... و لو شنّ حملة جدية على الفساد داخل جهاز الأمن...و لو أخلى سراح كل المساجين وسمح بالعودة لكل المهاجرين ...و لو أعلم الغنوشي بأنه يستطيع
العودة دون مضايقة، ولو أوعز بإرجاع المرزوقي للجامعة، حتى دون التصريح لهما بالعمل القانوني...ولو لم يغيّر الدستور لضمان الرئاسة مدى الحياة ... و لودخل في إصلاحات شبه سرية في محيطه استعدادا لنقل
السلطة لشخص مقبول من كل الأطراف يستطيع تدريجيا رفع حالة الطوارئ وضمان سلامته هو وعائاته إضافة إلى نقلة سلمية للديمقراطية في 2009 .
نعم لو حصل شيء من كل هذا - و حتى أقله - لسقطت مقولة لا يصلح ولا يصلح، ولظهرت كجملة من باب المبالغة والبلاغة ،ولحق لكل إنسان عاقل أن يصف صاحبها، لو رفض مثلا عرض العودة للبلاد و
للجامعة وقبول النهج التدرجي في الإصلاح ، بالتطرف والمزايدة واللاواقعية وحتى المراهقة السياسية.
وللصدق ، وخلافا لكل ما يشاع عني، فإنني كنت سأقبل - ولو بقدر كبير من الحذر- بهذا الواقع المفاجئ وأتفاعل معه إيجابيا،لأنني أؤمن بضرورة الصبر والمرونة والاعتدال وترك أبواب للخروج
،شريطة أن يكون القطار على السكة و في الاتجاه الصحيح وأن لا يتحرك بسرعة السلحفاة. بطبيعة الحال لم يحدث شيء من هذا وإنما العكس تماما هو الذي حدث :الإمعان في التزييف والقمع والفساد وإحكام إغلاق كل
أبواب التواصل مع المجتمع . لا غرابة في هذا لأن ما يجهله السذج وما يتجاهله الخبثاء ،هو ما يعرفه الدكتاتور أحسن المعرفة،أي أن الإصلاح، إما مزيف ، وهذه حيلة لن تنطلي بعد أن استهلك كل احتياطي العالم
من الكذب، وإما حقيقي ، وفي هذا بداية النهاية، وهي النهاية التي يصيبه الرعب بمجرد التفكير فيها... فما بالك بالإعداد لها .
عندما أردّد أن من يحكم تونس اليوم عصابات حق عام على رأسها " زميم " لا رئيس، يقال لي لاتبالغ أو كفّ عن الشتم فهذا لا يليق بسياسي مسؤول.حتى من يعلمون أنني رجل مهذب لا يفهمون أنني
استعمل الكلمات بدقة كما تعلمت من التشخيص الطبي . كأن الناس استبطنت أن الجرائم ما دامت على نطاق كبير ليست جرائم . كأن الإجرام بالجملة له ظروف تخفيف و حصانة خاصة.كأن الجريمة التي يجب متابعتها هي ما
ينافي الأخلاق والقانون شريطة أن يكون أصحابها فقراء وضعفاء ودون سند من إدارة بوش. نعم نحن تحت حكم عصابات حق عام ...ولهذه الأسباب التي أتحدى أي حكم عادل أن يثبت كذبها.
كيف نسي الناس بهذه السهولة أن شقيق هذا الدكتاتور( الذي كان مسؤولا لسنوات طويلة عن الأمن قبل
توليه الرئاسة)حكم عليه في فرنسا في بداية التسعينات بعشرة سنوات سجن للاتجار في المخدرات؟ كيف لم تستوقف حادثة كهذه غير مسبوقة في تاريخنا وغير معروفة حتى في جوارنا، انتباه الطبقة السياسية ؟
إن الدكتاتور وعائلاته ومن معهم كانوا سيجدون أنفسهم سريعا،لو خطر لهم الحكم كما حكموا في تونس وراء القضبان في
أي مجتمع حرّ وأي بلد يحكمه القانون. انظر لمتابعة شيراك رغم تفاهة خروقاته.
الكل يدرك أنه لو سقط النظام فجأة لما وجب إحالة "الزميم" وعائلاته أمام محاكم سياسية . تكفي
محاكم جنائية عادية (نأتي بقضاتها من الخارج إذا تطلب الأمر بما أنه ليس لنا قضاء جدير بهذا الاسم ) فتدينهم بكل نزاهة - لا وفق قواين رجعية، وإنما فق القوانين التونسية المعمول بها- وتحكم عليهم بأقصى
العقوبات نتيجة تورطهم المفضوح في سرقة المال العام واستغلال النفوذ والتدليس والتزوير.