خذ الآن خيار المقاومة المسلحة . هو أيضا للرفض لأنه يقودنا مباشرة للكارثة أي ترسيخ الاستبداد. شخصيا أعتقد أنOlivier Roy الخبير الفرنسي الكبيرفي الحركات الإسلامية يبالغ في حكمه
الصارم على الإسلام السياسي بأنه فشل بشقيه السياسي والعسكري، لا لشيء إلا لأن التاريخ لم ينتهي . لكن صحيح أنه انتهج طريقين مسدودين. الأول هو دخول بعض الأحزاب السياسية - ومنها الإخوان في مصر-
"برلمانات" الدكتاتورية التي اكتسبوا فيها حق " الشقشقة " دون أدنى تأثير سياسي . إنه ما يسعى له حاليا بعض المقاولين السياسيين في تونس وأقصى حلمهم حزّيب إسلامي (ثلاثة ارباع منخرطية سيكونوا طبعا من
المخابرات حسب تقنيات الدكتاتور ويبدأ ثاني يوم بانشقاق ) و يدخل يوما "البرلمان" ليشقشق هو الآخر مع بقية " مشقشقي " المعارضة ".
المأزق الثاني هو العسكري وأحسن مثال التمرّد الجزائري الذي لم يفشل فقط في تغيير النظام وإنما قوّاه. ماذا يبقى في هذه الحالة غير المقاومة السلمية ؟ صحيح أن فيه رهان, لكن هل ثمة عمل
في هذه الحياة ليس رهانا ؟ ما يجعلنا على ثقة بأنه رهان معقول هو أنه ليس وليد حسابات ظرفية وردود فعل وبحث عن مواقع سلطة بكل ثمن.فالشخص الملتزم ، إن لم يكن مجرد محترف ،حتى لا أقول مرتزق سياسة همه
الأوحد السلطة أو حتى فتاتها ، مطالب بالمراهنة على طول النفس والقبول بأن علينا أن نزرع لكي يأكلوا مثلما زرعوا فأكلنا . هذا ما جعلنا نبني رهاننا على دعامات منظومة فكرية تتبلور بثبات منذ ربع
قرن.
إنه الرهان الستراتيجي الموجود وراء تأسيس مجموعة ابن عقال واللجنة العربية لحقوق الإنسان وإلى حد ما المؤتمر من أجل الجمهورية. وقد كان نصيبي من مشروع يتجاوزني نقد جذري للواقع التونسي
والعربي انطلق في بداية الثمانيات تمحور حول سؤال مركزي :
كيف نقطع مع كل المدارس الفكرية والسياسية التي قادتنا نحو الدورن في الحلقات المفرغة للعجز والإحباط : خطاب القوميين أوالماركسيين بتبعيته للاستبداد وخطاب الأصوليين الإسلاميين بتبعيته
لماضي مخيّل و خطاب الأصوليين اللائيكينن في المغرب العربي بتبعيته الإيدولوجية للفكر الفرنسي، و خطاب الليبراليين الجدد في المشرق العربي بتبعيته للسياسة الأمريكية ؟كيف نستولي ونطور الديمقراطية وحقوق
الإنسان ونجذرها في الثقافة العربية وكيف نعيد صياغة مفاهيم الوحدة والهوية والاستقلال والدولة والعدالة الاجتماعية والعالمية.*
ومن الناحية العملية كان السؤال أي طرق للعمل السياسي الفعال وأي آليات في ظل الثورة التكولوجية التي أفرغت من مضمونها نماذج القرن التاسع عشرالتي تتعيش عليها السلطة والمعارضة ؟ المهمّ
أن لخطابنا عمق زمني يتجاوز هذا الدكتاتور ،لأن الاستبداد آفة تنخر فينا منذ خمسة عشر قرنا ولن تزول برحيله ...وله بعد جغرافي يتجاوز حدود تونس لأن نظامنا عينة من النظام السياسي العربي ككل.
آخر ما يمكن اتهامي به مع ،بقية قيادات المؤتمر ، أننا نخبة تنظير في أبراجها العاجية . فقد كنا ولا نزال في الصفوف الأولى لكل المعارك. ما تعلمناه من هذه المعارك أن تنامي قوة المجتمعات
المدنية وتراجع الدكتاتوريات في العالم وانهيار هيبة النظم العربية التي تثيرأكثر فأكثر الاحتقار ومن الخوف أقله، إضافة لقدرة النقابات على شلّ الدولة إن توحدت ونسقت ، ناهيك عن إمكانيات التكنولوجيا
...كل هذا يمكن من القيام بثورات ليست بالضرورة حمراء . كم يثلج الصدر أن نرى الشعوب العربية تتحرك أخيرا في قضية الحصار المجرم على شعبنا في غزة ...حقا هو تحرك محتشم ، لكن صبرا يا طغاة يوم يكسر حاجز
نفسي هو بصدد التصدع .نعم نحن جزء من مجتمع حي ّ محمل بكل عوامل رفض خطابنا لثقل خطاب الهزيمة المستبطنة ولجاذبية العنف.... لكنه محمّل أيضا بكل عوامل تقبله لكثرة الأسباب الموضوعية لذلك.وفي كل الحالات
دورنا هو صقل هذا الخيار ومواصلة عرضه عليه ، خاصة وأن شعبنا في اعتقادنا مهدد بعقم خطاب " ميكروكوزم "غير محدود الصبر... وخطر خطاب مجموعات مسلحة نفذ كل مخزونها منه .
معنى هذا أن المطلوب اليوم ليس تغيير خطاب المؤتمر وإنما على العكس تجذيره والدعوة إليه وتوسيع قاعدته لأنه الوحيد الحامل للأمل. *
3- ما يتطلبه الوضع التجميع لا من أجل التجميع ولكن على أسس سليمة أي رصّ صفوف القوى الفاعلة... لا على الحد الأدنى و لكن على ما هو ضروري لإنقاذ الوطن.
لا أكره عندي من استعداء الناس لما في الأمر من مشاكل ومن خطر ومن هدر للطاقات خاصة عندما يتعلق الأمر باشخاص هم نظريا في صف قوى التحرر.لكن الذي بينا وطن وليس "صحبة"،وأخذ بالخاطر وعدم
المساس بحساسية زيد او عمر، أو البحث عن رضى كل الناس وهولا يدرك.
لذلك يجب ترك المجاملات جنبا وتحمل مشاكل وأخطار العزلة عندما يتعلق الأمر بمصير شعب هو اليوم بأمس الحاجة لقيادة سياسة تقود إلى نهايتها معركة الاستقلال الثاني ويثق فيها ويتجمع
حولها،لأنه لم يعرف في التاريخ أن تحولا ذا معنى وقع دون وجود هذا الشرط الهيكلي. وفي غيابه تكون الانتفاضات مجرد حريق قش سريعا ما تنطفىء.
لذلك سعينا بكل قوانا، ولا نزال، لتكوين هذا الإطار.الذي حدث هو ضرب كل المحاولات في 1997 وسنة 2000 ثم محاولة أكس في 2003... والمنطق غير المسؤول دوما :ما دمت لست الداعي والمنظم
والزعيم المختار فلا أشارك بل وأعرقل.
ثم كانت محاولة 18 أكتوبر، التي أقصيت منها عمدا ( وهذا ما يعفيني من تهمة الانتماء أنا نفسي للميكروكوزم ، إذ كيف أنتمي إلى شيء يلفظني وأرفضه) . ومع هذا قلت معلهش ، الوطن أكبر من
كبريائي المجروح. حتى أعتى خصومنا .يشهدون أنني ذهبت في نوفمبر 2005 في إطار وفد من قيادي المؤتمر لزيارة الأطراف السياسية الأربع ( النهضة، التقدمي ، التكتل ، العمال) في بيوتهم بتونس، قائلين نحن مع
كل ما من شأنه لمّ الشمل رغم تحفظنا على البرنامج ... و بل و نرغب في ذوبان حركتنا في تجمع وطني يدعولمؤتمر ديمقراطي وطني في تونس أوخارجها ،لكتابة مسودة دستور جديد ، والتقدم ببرنامج حكم بديل والبدء
في تحريض الشعب على المقاومة السلمية ورسم ستراتجيتها.
قالوا لا لتذويب حركاتنا ، أما مطالب الحريات وإطلاق المساجين فقاعدة إطلاق الصاروخ السياسي, ونعدكم بأننا سندعو للمؤتمرالوطني الديمقراطي في ظرف ستة أشهر( أي في....جوان 2006 ! ؟) ثم
قالوا لنا ثمة عقبات لا بد من رفعها حيث من الضروري البناء على أسس سليمة وذلك بالتأكد من توافقنا على جملة من المسائل الحضارية الهامة. لما سمعت أنهم بدأوا ببحث المساواة في الإرث لم أدري هل عليّ أن
أضحك أم أبكي.تخيلت كم سيسرق اللصوص الكبار من أموال طيلة المباحثات المصيرية. (يبدو أن هناك دورة مفاوضات جديدة على الحدود - لا تنسوا التبني وزواج المسلمة بغير المسلم - فهي مشاكل بالغة الخطورة ولا
يجوز المرور لتحالف سياسي قبل البت فيها)
الكل يعلم أنني علماني* وبالتالي أنني فكريا مع المساواة في الإرث ومع الحرمة الجسدية وضد الإعدام . لكن ما أعيبه على العلمانيين- ومنهم أصدقاء أعزاء أحترم جدا نضالهم - هو طرحهم لهذه
المواضيع وكأنها امتحانات ضمير للتأكد من جدارة التلميذ الإسلامي بالجلوس لجانب ديمقراطييّ ال" ماركة مسجلة" . وما أعيبه على الإسلاميين -ومنهم أصدقاء أعزاء أحترم جدا نضالهم - هو قبولهم بالانخراط في
هذه اللعبة المهينة. ولو كنت مكانهم لقلت طيب ليكن ، لكن ليبدأ بعض الإخوة العلمانيين بطمأنتنا حول تبرؤهم من جرائم الرفيق يوسف ستالين ومن دكتاتورية البروليتاريا، والإخوة الذين قبلوا بالتعيين في
برلمان مزيف بأنهم لن يكرروا فعلتهم ،ـوالإخوة القوميين بإدانة التعذيب القومي ..الخ . من الواضح أن هناك نية داخل بعض أطراف هذا الحلف الغريب على غسل الثوب الإسلامي من لونه الأخضر ليصبح بلا لون ، ثم
مسح الأقدام فيه فيما بعد . كم غريب أن يرضى أبناءالنهضة بهذا الثمن للقبول بهم في نادي بلا مستقبل.
وفي كل الحالات فإن العملية - التي سميت للتعمية مصارحة وتوضيح وطمأنة الخ - هي بالضبط ما حاول المؤتمر دوما تفاديها لاعتباره إياها عقيمة وخطرة ومضيعة للجهد والوقت ومتخلفة عن عصرها.
فمنطق التجميع الذي اعتمده المؤتمر عند تشكله، والذي حاول تسويقه في" اكس"، والذي سيواصل الدعوة إليه اليوم وغدا ، في المعارضة أو في المسؤولية إن شاء الله والشعب، فهو العكس من كل هذا حيث المبدأ هو :
لا ننكأ الجروح ، لا نعود لتاريخ كل واحد منا، لا نتعسف على عقيدة هذا وذاك ، لا نحاسب على ما في السرائر، لا نطلب من المختلفين أن يكونوا متشابهين ،بل ننطلق من اختلافاتنا ومن التحديات المطروحة علينا
جميعا، نبحث بكل براجماتية عن القواسم المشتركة، نجند قوانا من أجل أهداف سياسية لا عقائدية، نفترض حسن النية لا سوءها، ومن تبرز عقائديته من خلف الحجاب نقول له قف نقضت روح العهد ،وعلى الضمانات التي
نعطيها لبعضنا البعض أن تكون جدية وفي إطار عقد سياسي دقيق.
هذا بخصوص عقلية مبنية على إقصاء أطراف وكسر شوكة أطراف أخرى. ماذا الآن عن البرنامج ؟ كما هو معلوم حدّد 18 أكتوبر مطالبه بحرية الرأي والتعبير والتجمع وإطلاق المساجين السياسيين، ولما
اعترضنا على ضعف هذا البرنامج ،وأنه من مشمولات حركة حقوقية بحّ صوتها بالمطالبة بها عقدان من الزمان ولم تأخذ شيئا ، قيل لنا أنها قاعدة لما سيأتي ( والذي لم يأت لحد الآن ) . ثم أفهمنا أن هذا هو الحد
الذي يمكن أن يجمع الأطراف وما فوقه يفرّق . هكذا تحول هدف النضال السياسي من تحرير الشعب من الدكتاتورية إلى لمّ شتات معارضة هزيلة لا يمكن أن تتفق إلا على مطالب تعالج بعض ظواهر الدكتاتورية وتغفل أهم
جوانبها مثل الفساد وتزوير الانتخابات، وخاصة لا تطرح القضية الأساسية وهي غياب أي شرعية لحكم الدكتاتور. هكذا أصبح الهدف (التحرير)أداة للتجميع ، وأصبحت الأداة (التجميع ) هدفا لا يمكن تحقيقه إلا على
الأضعف والأسهل أي... على حساب الهدف.
وبالطبع لم تتحقق وحدة "الميكروكوزم" ، حيث بقيت خارجه كثير من المكونات.بل شاهدنا بروز شدّ وجذب داخل النهضة بين الرافضين للابتزاز والساكتين عنه، وانسحب المؤتمر على أطراف الأصابع لأن
بناء هذا التجمع خضع لكل المقاييس التي نعتبرها مضرة بالمصلحة الوطنية ولا بد من اعتماد عكسها.
لا فائدة أن تحتجّ بأن المطلوب ليس التجميع من أجل التجميع ...أنه لا يهمّ ألا يوجد سي فلان وللة علانة... ولا أن يكون كل الطيف ممثلا،إنما المهم رصد ما يتطلبه الوضع والعمل على أساسه
ولوبدأنا من الصفر. يخرجون عليك آنذاك بنظريتهم العصماء أن السياسة فن الممكن ، وأنه على قدر بساطي أمدّ رجليّ ، وأن موازين القوى في الأرض وفي المريخ تحتم علينا ما تحتم ...الخ . المشكلة أنهم على حق
...لكن مثل من يقول لك هذا الكأس نصف فارغ...وهو أيضا نصف ملآن.
كانت السياسة وستبقى إلى أبد الدهر مدرستان وتوجهان وعقليتان. الأولى هي مدرسة فن الممكن التي تقصر السياسة على التأقلم الدائم مع موازين القوى، وإظهار كل المرونة مع المبادئ المصرح بها
علنا واعتبار الغاية تبرر الوسيلة،والمحرك هو المصلحة للوصول للسلطة والمحافظة عليها بأي ثمن، والاستمتاع بها أطول وقت ممكن . الثانية هي مدرسة فن المستحيل، وهذه هدفها تحقيق أحلام عظمى وتشجم كل الصعاب
من أجل تحقيقها والسعي لقلب موازين القوى لا الخنوع لها ...والمحرك هو التضحية من أجل قضايا تتقمصنا وكأننا أدوات لقوى جبارة هي صدىتضحيات الآباء والأجداد ونداء الأحفاد أن اعدوا لنا المقام فنحن قادمون
.
ربما وجود المدرستان دوما جنبا إلى جنب ، بقوة متباينة حسب الظرف ، ناجم عن كون المجتمع كائن حيّ وذكي لا يضع كل بيضه في نفس السلة. لذلك هو يدفع ببعض الطباع إلى البحث عن كيفية التأقلم
مع موازين قوى ليست في مصلحته ليفتك ما يمكن افتكاكه من قوى القهر والبغي ...ثم يدفع ببعض الطباع الأخرى للبحث عن كيفية قلب موازين القوى الضرورية لتحرره ولو على الأمد الطويل.
إن علمتني الحياة والسياسة شيئا فهو عبث محاولة التخلص من المدرسة الأولى أو التنقيص من أهميتها. ربما هناك من بين أصحاب هذه المدرسة من فهم أننا نحن تلامذة مدرسة فن المستحيل جنس غير
قابل للانقرتض بمجرد التهكم علينا وعلى " لاواقعيتنا ".
الثابت أنه كما للثمار فصول ، ولكل مقام مقال، فإن هناك ظرف للمدرسة الأولى والثانية. قد يكون أكبر خطأ يرتكبه السياسي المحنّك ان يلجأ للراديكالية في مجتمع مسالم غير مأزوم مبني على
التفاوض المستمر والإصلاحات التدريجية لوضع مقبول عموما للجميع ... أو أن يلجأ على العكس ، كما يفعل " الميكروكوزم"اليوم ، لتسول إصلاحات ممن هو غير قابل لها وغير قادر عليها .
عندما أوصي كطبيب مريض السكري بالحمية فقط ،فليس من باب التلطف معه أو لطبعي المعتدل وإنما لأن الوضع الصحي للمصاب يتطلب ذلك، وعندما أوصي ببتر الساق فليس من باب غلظة طبيعية فيّ وميل
للحلول الجذرية وتعسف على المريض، وإنما لأن الوضع الصحي للمصاب هو الذي يفرض ذلك. نعم الوضع الصحي الخطير لتونس اليوم يتطلب بتر الدكتاتورية وإلا أصيب المجتمع والدولة بتفشي " الغنغرينا"، وما عدا هذا
تدجيل على مريض مسكين من قبل من يدعي شفاءه.