/http%3A%2F%2Flimelight-729.static.dailymotion.com%2Fdyn%2Fpreview%2F160x120%2F1737729.jpg)
المتاهات والبدايات الصحيحة
جمال محمد تقي
* * *
العرب في مواجهة امريكا واسرائيل:
نعني بالمواجهة التقابل المتصارع بين طرفين، ويمكن ان تكون المواجهة ايضا بين مجموعة اطراف متوافقة بالضد من مجموعة اخرى او طرف اخر!
من الطبيعي اننا هنا نقصد المواجهة بين شعوبنا العربية، وتطلعاتها من جهة، وبين تطلعات النظام الصهيوني في اسرائيل، المدغمة في كل الاحايين مع تطلعات المشروع الامبريالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية، وليس كما هو شائع في تبادل الادوار معها، فلا يمكن لاسرائيل مثلا ان تكون امريكا بالنسبة للعرب ولكنها يمكن ان تكون قاعدتها الضاربة او المهيمنة، رغم ما كان يبدو من تبادل للادوار والذي كان غالبا على طابع السنوات الاولى من الحرب الباردة حيث كانت تبدو اسرائيل، وكانها هي المقصودة بهندسة التغلغل واحيانا التدخل الامبريالي وهي من يستدعيه للمواجهات الحادة فيها، كما حصل ايام عدوان 56 19 على مصر عبد الناصر، فالامبرياليات الثلاث بريطانيا وفرنسا ومن وراء الحجرات امريكا كانت مسكونة بالادوار المتبادلة فيما بينها، والتي تبتغي في الاصل تأصيل الكيان الصهيوني الغريب عن حيثيات المنطقة، وجعله محصننا داخليا وخارجيا بعوامل التفوق المصدرة اليه ماديا وبشريا ومعنويا، مجندة اياه طوال الوقت لحرسة مصالحها الحيوية اذا عز عليها التدخل المباشر وكل هذا انطلقا من استراتيجيتها هي للهيمنة على اكبر مستودع للطاقة الحيوية وعلى اهم جسور ومضايق وممرات تربط العالم ببعضه.
كان عدوان 1956 طور بدائي ومباشر من اطوار الوظيفة المناطة بالكيان الصهيوني، وشكل علاقتها بالمواجهات الامبريالية، انها نوعية من التكامل والتخصص وتوزيع الادوار وبذرائع امبريالية مباشرة ـ ذريعة تاميم شركة قناة السويس الامبريالية ـ اما عدوان 67 فهو طور مركب لوظيفة تتناسب ومستوى التحصيل، والاستعداد الصهيوني حيث التنفيذ من المستوطنة ـ القاعدة ـ وبشكل مباشر وبذرائع اقليمية، لكن لاهداف يصعب الفصل بينها امبرياليا وصهيونيا!
اما عوامل التفوق المصدرة فهي:
ماديا ـ من خلال ضخه بكل عوامل نجاح مشروع راسمالي استيطاني متكامل يعتمد العنصرية الدينية كجوهر لعقيدته المعلنة التي تنجز توافقات توظيف الفكرة لخدمة المشروع مما يكسبه قوة وطاقة اضافية تقلل من اصل التكلفة المادية، من استثمارات طائلة وفي كل المجالات الى نقل معامل جاهزة وتركيبها مباشرة كما البيوت الجاهزة الى نقل مؤسسات صحية وتعليمية وبحثية بمحتوياتها الى حيث ارض المشروع فلسطين!
بشريا ـ فمن توفير الايادي العاملة المدربة والعقول المفكرة والمبتكرة المتاحة امامها كل الحرية في التصرف والتفكير لخدمة المشروع والابداع في تطويره باجواء من الكفاية المغرية، الى توفير جيش من العاطلين ـ جيش من الايدي العاملة الرخيصة ـ الهاربة من التخويف النازي والفاشي اضافة الى جيش حقيقي من العسكر المدرب والمعد قبل اعلان الدولة بعقود انه عناصر الهاغانا واخواتها من المنظمات المسلحة الصهيونية التي كانت تتسرب الى فلسطين منذ مابعد وعد بلفور بتسهيلات ودعم بريطاني فاضح لتنفيذ حلقات المسلسل وبالتتابع حلقة اثر حلقة!
معنويا ـ توظيف الموروث الديني وتداعياته النفسية والاجتماعية، للسير بالمشروع الى مرحلة الانتاج ثم ابتزاز التعاطف الاوروبي معنويا وماديا للتعاطف مع الدولة ـ اليتيمة ـ والابتزاز هنا يخص مواطني دول العالم من اليهود ايضا حيث الضغوط عليهم لاجل هجرتهم الى اسرائيل وزيادة سكانها من اليهود، بالاستفادة من تداعيات جرائم النازية ومن اشاعات معادات السامية التي تشيعها هي ذاتها قبل غيرها!
قد يقول قائل هنا: ان المواجهات بمعنى الحروب قد انتهت مع اسرائيل منذ تبني عرب الحكومات مبدأ الارض مقابل السلام، وهي بالتاكيد لا وجود لها مع امريكا! هذا القول يسطح الواقع ويجعله اسير لمقولات انشائية اكثر منها تحليلية ونقدية. فتأطير نصي لحركة التاريخ عملية مستحيلة، استحالة تأطير الكون، وكلنا يذكر مقولة السادات التي لم تصدق "حرب اكتوبر ستكون اخر حروب العرب مع اسرائيل"، نعم قد تكون حروبهم انتهت بوجودهم، وقد يكون غيابهم وحضور غيرهم بمعية عوامل جديدة اسبابا لحروب جديدة، وهي قد عادت فعلا ولكن ليس من باب الحكومات، فالاسباب الموضوعية للمواجهات والازمات والصراعات والنزاعات في المنطقة مازلت تفرض نفسها وبقوة، ولم تجري اي معالجات حقيقية وعادلة لها وبالاخص في الموضوع الفلسطيني الذي يعتبر جوهر المواضيع فيها!
الانفراد الامريكي بالعالم وضع اسرائيل امام ادوار ثانوية، في حين كانت ادوار البطولة لا تفارقها!
نهاية الحرب الباردة ادى الى تغول امريكي فاحش ومندفع نحو هدف امركة العالم عبر امبراطورية كونية لا يتنفس احدا فيه الا باذن منها، وزاد هذا التطور من تضاعف الاهمية الحيوية لمنطقتنا العربية بعيون امريكا وتطلعاتها الكونية التي تريد من القرن الواحد والعشرين، وقفا عليها ودون منازع، لقد تطلب هذا الامر من الامريكان الامعان في التدخل السافر بشؤون المنطقة ودون الاعتماد المباشر على اسرائيل كذراع اصطناعية يمددوها الى حيث يشاؤون، وانما باعتمادهم على جحافلهم المتأبطة احتلالا وتخريبا وتقطيعا لكل العاصين!
لقد قالتها امريكا للجميع اما معنا اوعلينا، وقالتها للتبع من الحكام العرب اتبعوني حتى لو على بطونكم انجيكم من شعوبكم ومن انفسكم، وبمقدار تطبيعكم مع اسرائيل سيكون تقديركم!
لقد عزز الانفراد الامريكي بالعالم مواقع اسرائيل في المنطقة بحيث وجدت اسرائيل نفسها خلال بضع سنوات وقد تمددت بعلاقاتها العلنية السياسية والاقتصادية والامنية مع عدد كبير من الاقطار العربية في حين ان مرحلة ـ السلام ـ التي دشنها السادات دامت اكثر من عقدين دون مكاسب علنية لكسر طوق العزلة حتى من الجهات الرسمية في مصر، ومثلما اعطاها الاستفراد الامريكي فقد اخذ منها ايضا، وابرز ما اخذه منها هو القيادة الميدانية لتوجيه اللكمات الاستباقية والاجهاضية والاحتوائية من الوزن الثقيل، وهنا فقدت اسرائيل بريق التفرد بهذه الخصائص في المنطقة!
عندما تكثر المتاهات علينا بالبدايات الصحيحة!
من اروع ما تكون البدايات هنا هو البدأ بكتاب ريادي بفكرته وزمنه عن المواجهة المحتمة مع اسرائيل انه كتاب صغير بحجمه كبير بافكاره، هو كتاب للمفكر الدكتور اسماعيل صبري عبدالله المعنون ـ في مواجهة اسرائيل ـ صدرت الطبعة الاولى من هذا الكتاب عام 1969، واعيد طبعه عام 1980 بعد توقيع معاهدة الصلح المصرية الاسرائيلية، صدر الكتاب عن دار الوحدة بيروت.