يقول الكاتب تحت عنوان ـ الى اين المصير ؟:
عرفت الثورة العربية خلال العقد الاخير، حركة مد وجزر متعاقبين، وقد عرفت القوى الثورية قبلنا المد والجزر، ولسنا نقول هذا تبريرا لاخطاء، او تعزية حيث لا عزاء، فليس حتما مقضيا على كل ثورة ان تعرف على التوالي التقدم والتراجع، وانما نحاول ان نضع الساعة الراهنة موضعها الصحيح من سلسلة الزمن المعاصر حتى لا يلهينا حدث على فداحته عن ادراك حركة الاحداث في جوهرها.
ان الثورة العربية بابعادها الثلاثة: التحرري، والتقدمي، والوحدوي، قد احرزت نجاحات مؤكدة على راسها استقلال الجزائر وثورة اليمن الشمالي وتحرر اليمن الجنوبي، واجراءات التحرر الاقتصادي والتحول الاجتماعي في عدد من الاقطار العربية، واتضاح المحتوى التحرري والتقدمي الضروري لفكرة الوحدة العربية، وقد تعثرت الثورة في مواقع كثيرة لاسباب متعددة في مقدمتها تفرق القوى الثورية والتقدمية والصراع العنيف بينها، ولكن الجزر الاعظم الذي واجهته حركة التحرر العربي هو يقينا هزيمة سنة 1967، نعم لقد كانت تلك الهزيمة باثارها العميقة، وابعادها الرهيبة، اعتى ما اصاب الامة العربية في العصر الحديث: اقتطاعا من الجسد، وامتهانا للعزة، وامتحانا عسيرا للعقل والارادة.
واذا كان رد الفعل المباشر والتلقائي للجماهير العربية جاء رائعا وملهما: رفض الهزيمة، وصمود في وجه العدوان، واصرار على النضال حتى النصر، واستعداد للتضحية بلا حدود، فأن ردود الفعال في دوائر الحكم والسياسة واوساط المثقفين وطلائع الشباب لم تكن دائما في مستوى الاحداث، لقد انتاب البعض بلبلة فكرية هائلة دعتهم الى اعادة النظر في كل شيء، والشك في كل شيء، واشرأبت روح الهزيمة والاستسلام تتشفى بالقوى الثورية وما اصابها وتشيع باسم التعقل والاعتدال والواقعية الدعوى الى التسليم للاستعمار الجديد والتماس الامن في ظل عصا الامبريالية الامريكية الغليضة واداء ما تقتضيه تلك الحماية من اتاوة في شكل التخلي عن آمالنا العراض، في الحرية والاشتراكية والوحدة وفي الطرف الاخر وقف ثوريون شرفاء تقطر وطنيتهم مرارة واسى، يكاد القنوط ان يملك عليهم نفوسهم ويحملهم الى المطالبة بالمغامرة بأي شيء كمن يشتهي غسل عار الهزيمة، وسقى فولاذ الارادة، والتطهر من اخطاء وصلت احيانا الى حضيض الخطيئة في نار حرب تحقق ذلك كله او لاتبقي على شيء... وليس في ردود الافعال غنى لشعوبنا، اذ لا غنى لاي شعب يواجه ما نواجه من امتحان الا في التفكير الهادئ والحساب الدقيق، وهذا ما لا يتاتى الا بمعرفة بالواقع شاملة وكافية، ولكن الفرق بين الثوريين و"الواقعيين" في هذا المجال يكمن في ان تلك المعرفة تنتهي بالاخرين الى الاستسلام للواقع في حين انها في نظر الاولين ضرورة بالدقة لتجاوز الواقع بفعالية ونضال بدل الفرار منه تعلقا بالخيال، ومن الناحية الاخرى لاشك ان الحماسة ذخر للمقاتل لا تعادله ذخيرة، والوطنية لمشبوبة درع واقية من سهام الاستعمار الجديد، ولكن التحليل العلمي " على البارد " هو وحده الذي يهدي الى طريق النصر....
ويجيب الكاتب على سؤال يطرحه هو: هل اسرائيل مجرد اداة للاستعمار؟ فيقول:
ثمة نظرة على جانب كبير من الصواب، ولكنها تخطيء حين تصاغ في اطلاق يهمل حقائق اخرى، واعني بها نظرية اسرائيل اداة الاستعمار، ولها ولا شك فضل القاء الاضواء على دور الاستعمار في نشأة اسرائيل ودعمها، وعلى دور اسرائيل في خدمة الاستعمار، ولكنها تهمل الصهيونية كحركة استعمارية لها مكانها المتميز داخل اطار الاستعمار العالمي، فاسرائيل ليست مجرد قاعدة عسكرية تابعة لامريكا مثل جوانتانامو في كوبا، ومهما يكن من مدى اعتمادها على الغرب بصفة عامة وعلى امريكا بصفة خاصة، فانها تستند الى حركة صهيونية منظمة تنتشر في بلاد كثيرة، يقودها احتكاريون كبار، وتملك من وسائل التاثير ما بدا واضحا مثلا في الانفصام الكامل بين سياسة ديجول وموقف الصحافة الفرنسية، او حتى الاذاعة والتلفزيون بالرغم من تبعيتها للدولة!
وهي حركة ذات نفوذ واسع للغاية بين اليهود الصهاينة في مختلف بلاد العالم، ايا كانت الاسس التي يستند اليها ذلك النفوذ... ولا يهون من شأن اسرائيل كدوة استعمارية ضيق الرقعة او قلة عدد السكان، والنتذكر ان هولندا وهي البلد الصغير كان يحكم امبراطورية واسعة!
لقد شبه الكاتب دور اسرائيل ـ بالانكشارية الجديدة ـ حيث كتب يقول:
ان الوجود الاسرائيلي قد اثبت انه قادر على اداء خدمات جليلة للاستعمار تفوق مجرد السيطرة على جزء من الوطن العربي، فعزل مصر عن اقطار الشام والعراق، وتقطع الطريق البري الى شبه الجزيرة العربية، فالكفاءة العسكرية الاسرائيلية اضفت بعدا جديدا على دورها في المنطقة، بعدا يستحق من الاستعمار كل تقدير وتحصل في مقابله الدولة الصهيونية على المزيد منالمساندة الاستعمارية، لقد رشحتها تلك الكفاءة لان تكون كلب الحراسة الشرس الذي يحمي مصالح الامبريالية، ففي كل فترة مد لحركة الثورة العربية، كانت اسرائيل تتحرك لتضرب جاراتها العربية محاولة تعطيل التقدم.
الوقاية واليقضة تحت هذا العنوان اشار الكاتب الى انه لا يكفي ان نرفض الاعتراف باسرائيل والتفاوض معها وعقد الصلح معها، لا يمكن ان نقنع بتجاهل الوجود الاسرائيلي وننصرف الى شئوننا الاخرى، وليس هذا فقط لاننا لا يجوز ان نتخلى عن مساندة الشعب الفلسطيني، وانما لان اسرئيل بوضعها الراهن هي قاعدة صهيونية امبريالية عدوانية. ـ وعليه يجب مواجهتها بالبناء الداخلي الصلد وبالتنمية الحقيقية المتحررة من التبعية وباطلاق طاقات الجماهير وحريتها البناءة، وتعبأتها باجواء التكافل والتكافوء والتداول السلمي للسلطة ووبناء اسس التكامل العربي وبناء القدرات العربية الرادعة، وبالتخطيط العلمي طويل النفس يجري التحكم بدفة الصراع ـ.
ثلاث محاور لابد منها في الوقاية واليقضة وهي:
1 ـ ضرورة دعم ومساندة الدول العربية لمقاومة الشعب الفلسطيني... ان السلام الوحيد الذي يمكن ان يعمر في الشرق الاوسط هو السلام القائم على العدل، ولا عدل بدون الاقرار بحقوق الشعب الفلسطيني وتمكينه من تجسيد وجوده الوطني في دولة مستقلة على كامل ترابها الذي اقرته الشرعية الدولية بعاصمتها القدس، وبعودة اللاجئين اليها.
2 ـ دعم المقاطعة الاقتصادية لاسرائيل، فهدف الصهيونية المختبيء وراء كل حديث عن السلام والصلح والتطبيع هو غزو بلادنا اقتصاديا لحساب الصهيونية والاحتكارات العالمية.
3 ـ اليقضة والقدرة على الردع، ذلك اننا حتى ولو لم نهاجم اسرائيل فلن نامن شر عدوانها، انها تعمل باستمرار على تعطيل حركة التحرر العربي وتوجيه الضربات لشل تقدمها، وهي كثيرا ما تعتدي بتوصية من الامبريالية العالمية التي تريد حماية مصالحها الاستعمارية المهددة في الوطن العربي
تحديد الهدف، هو واحدة من الاولويات لدى الكاتب، وهنا افرد يقول:
ان صراعنا ضد المخطط الصهيوني الامبريالي لا فكاك منه، انه قدرنا المحتوم، فالانسان لا يملك الخيار بين الحرية والاسترقاق، لانه اذا تخلى عن الاولى فانما يتخلى عن طبيعته كانسان، والشعوب العربية تدرك تلك الحقيقة ادراكا عميقا، لا ينال منه تردد بعض الاوساط الحاكمة او البلبلة الفكرية عند بعض المثقفين.
يقول الكاتب بخصوص الصلح الذي عقده السادات مع اسرائيل: انه نصر تكتيكي للصهيونية والامبريالية لا مراء فيه، وهو بالضرورة يذكي اطماع العدو ويثبت تمسكه باهدافه القصوى في اكثر اشكالها تطرفا، لكنه لا يغير من جوهر استراتيجيته ولا من عناصرها الاساسية شيئا!
ان مجمل ما ذهب اليه المفكر اسماعيل صبري عبد لله في كتابه هذا يحتفظ بحيويته ومصداقيته رغم مرور حوالي
38 سنة على صدوره الاول، والذي افادنا فعلا في تاكيد ان مواجهة تكاثر المتاهات والتعقيدات الفكرية في موضوعة التحرر العربي، ومواجهة الاستسلام الفكري للصهيونية والامبريالية وما انجبه تزاوجهما الموضوعي
من كارثة اسرائيل على المنطقة كلها، يتطلب مراجعة للبدايات الصحيحة وتلك مرتبطة حتما بالفكرة الجلية والموقف الاصيل الذي تكتنزه مثل تلك المساهمات.
لقد كان اخراج مصر من حلبة المواجهة بعد ابرام اتفاقية الصلح بينها وبين اسرائيل في كامب ديفيد المشهودة، عبر مسلسل الاستفراد الامريكي بمصر ودورها، وكنتيجة حتمية لانحدار الطبقة الحاكمة فيها الى درك
التبعية الغاوية بالحفاض على كرسي حكمها المرفوض شعبيا، ثم احتلال العراق وتقطيعه هما اهم واخطر النجاحات في المشروع الامبريالي الصهيوني لمصادرة المنطقة وما عليها من شعوب وثروات خلال العقود الثلاثة
الاخيرة، لتكون بعدها عملية ترويض ما تبقى من عناصر الثورة التحررية العربية مجرد تفاصيل وتداعيات لتجاوز الستائر النضالية الواقية في مصر والعراق، فيما يحصل الان من محاولات لاستدراج وخنق جبهات
المقاومة والممانعة في فلسطين ولبنان وسوريا هو لتصفية وتمشيط المنطقة تماما ما اي جبهات مواجهة صغيرة كانت ام كبيرة، ومن هنا تبرز اهمية تعاظم دور المقاومة العراقية، كي تستنزف العدو في المواجهات
الكبرى وتشاغله عن الاستفراد بالبقية!
ان ما حصل للعراق كان باسلوب اخر يختلف عن الذي حصل مع مصر لكنه كتحصيل حاصل سيصل به الى النتيجة ذاتها بل واسوء منها حيث ستكون ترددات النجاح الامبريالي الصهيوني في العراق معمقة للانحسار المصري ومضعفة لامكانيات استرداد دورها الطبيعي!
كان للنجاح العربي في حرب تشرين 1973 كامتداد للحرب التحريرية التي اعد لها عبد الناصر منذ ما بعد هزيمة حزيران 1967، وبروز عامل استراتيجي حيوي اخر في سوح المواجهة تلك ـ سلاح النفط ـ اثره الكبير في اشتداد الهجمة الامبريالية الصهيونية المعاكسة لاجهاض نصر تشرين ومعانيه بكمائن الاستفراد والتصيد بضعف الجبهات الداخلية العربية وموسمية العمل العربي المشترك، فسياسة الخطوة خطوة نحو استدراج جزئي ثم كلي كان مثمرا ومنتجا للسياسة الامريكية الاسرائيلية ومواجهاتها مع الجبهات والمواقع العربية وكانت البداية مع مصر ـ والدور الثعلبي للكسنجرية حينها ـ ثم الاردن، وبعدها لبنان الذي عاد الميزان فيه للتارجح، ثم منظمة التحرير الفلسطينية التي جرى التقاطها الى حيث بيت العنكبوت، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز القطبية الواحدة ذات النزعة الامبراطورية الكونية للامبريالية الامريكية وحالة الشلل التي اصابت حركة التحرر العربية، اقدمت امريكا على احتلال العراق في محاولة لجعله قاعدة مصالح حيوية متقدمة وساحة مفتوحة امام النشاط الصهيوني، ليتكامل المشروع ويقترب من تكامل مساراته!
_