إغواء الشباب للتطبيع تحت قشرة "نضالية"
د. عزمي بشارة في "رسالة" التطبيع
عادل سمارة
A Strategy for Israel in the 1980s, translated, edited, and retitled " The Zionist Plan for the Middle East" (read document below) by distinguished Professor Israel Shahak (1933 – 2001), longtime activist, analyst, and outspoken Israeli critic.
استراتيجية إسرائيل في ثمانينيات القرن العشرين، تُرجمت، ونُقحت، وأُعيدت عنونتها ب "الخطة الصهيونية للشرق الأوسط" من قبل البروفيسور الإسرائيلي إسرائيل شاحاك (1933-2001)، والذي قضى زمنا طويلا كناشط ومحلل ومتحدث مفوه وناقد لإسرائيل.
* * *
مستقبل النضال الفلسطيني.. رسالة إلى الشباب
* * *
ملاحظة:
نُشرت مقالة عزمي بشارة:" مستقبل النضال الفلسطيني.. رسالة إلى الشباب" في موقع "الجزيرة" ويمكن للقارئ قراءة النص الكامل على الرابط التالي:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/5E042E49-E3AB-405B-97ED- B138381F52F4.htm?GoogleStatID=1
للاستفاضة راجع:
1) عادل سمارة:" ثنائية القومية، والحكم الذاتي الثقافي، ودولة لكل مواطنيها- مشاريع صهيوينة"، في "كنعان"، العدد 85 نيسان 1997، ص ص 33-51
2) عادل سمارة:"التطبيع معكوساً: عزمي بشارة إلى الكنيست على أكتاف حزب الله"، في "كنعان" العدد 107، تشرين أول 2001 ص ص 125-135.
* * *
مدخل: يزعم كثير منا نحن العرب أنهم كانوا قبل مئة عام في غمرة جهل بطبيعة الصهيونية وحتى الإمبريالية هادفين من ذلك تبرير الخراب الذي حصل أمام أعينهم، وبفعل بعض أيديهم. فماذا عن اليوم؟
ولكن، بأية لغة علينا التوجه إلى العرب وخاصة الفلسطينيين الذين يتجاهلون حقيقة أهداف وسياسات وممارسات الكيان الصهيوني الإشكنازي، فيطبِّعون معه، وينادون بحق لليهود في فلسطين متساوٍ مع حق شعبنا؟
وحتى هذا التهافت كان يمكن غض الطرف عنه لو أن الكيان لم يرتكب المجازر ولو أن الكيان لم يعلن أنه يعمل لدولة يهودية "خالية/خالصة/نقية من أي عربي، ولو أنه لا يعلن أنه يريد السيطرة من الفرات إلى النيل (انظر الخريطة أعلاه).
وعليه، فالسؤال المحيِّر هو: لماذا يتجاهل كثير من القشرة السياسية والثقافية العربية كل هذا ويطالبوننا بالتعامي عن عدو يتحدانا بأهدافه؟
هل هذا كرم؟
هل هو استقواء بالضعف؟
هل هو كره عربي للعروبة؟
أو هو اسوأ من هذا كله؟
لا أحد معفىً من الرد والصد والتصدي. كل من لا يقف ضد هذا التخاذل والتطامن، كل من لا يقاتل التطبيع مع الكيان والإمبريالية والكمبرادور العربي هو في خانة الجهل واللاإبالية، والإدانة إن كان يدري، بل أخطر. وكل من لا يدين المطبعين، في اي مستوى من التطبيع، هو فاقد للأهلية الوطنية والقومية طالما لا يقف في وجه هؤلاء! وقد يكفي لدعم ما نقول فلنقرأ ما يقوله كافة الصهاينة في الكيان. أليسوا جميعاً ومطلقا ضد حق العودة، اي مع دولة يهودية خالصة؟ فلماذا يتبرع المتبرعون العرب بالاعتراف بهم بدءاً من رئيس سلطة الحكم الذاتي ورئيس وزرائه وصولا إلى عزمي بشارة، وكل من يُطبع مع الكيان ومع المطبعين.
لعل أخطر ما نعيش اليوم هو أن نرى، ونحن حقاً نرى، كيف يشن العدو هجومه المتشعب والمتواصل، بينما يقابله ساستنا ومثقفونا بتمرير أهدافه، بالاعتراف به، الدعوة للمساواة معه في أرض وطننا، وبالتنظير لاندماجه في الوطن العربي اندماجا مهيمنا!. ومن بين من يقدموا هذا وأكثر للعدو، د. عزمي بشارة؟ ولكي لا نظلم الرجل، ليس وحده من يرتكب كل هذه الخطايا.
"مستقبل النضال الفلسطيني..
رسالة إلى الشباب: بقلم عزمي بشارة":
قرأت المقالة التي "وهبها" د. عزمي بشارة للشباب من خلال منبر الجزيرة[1]، ولا غرابة لديَّ ولا استغراب. وهي بعنوان "مستقبل النضال الفلسطيني.. رسالة إلى الشباب: بقلم عزمي بشارة"
والمقالة طويلة بعض الشيىء، ومما أطالها ذلك الشرح المألوف والمسهب عن الشعب والأمة والنضال...الخ والذي فيما لو نزعنا اسم عزمي عنه ووضعنا اسم أي كلاسيكي عليه، لن يتغير لدى القارىء المتمرس شيئ.
وبما أنني أعرف عزمي بشارة جيداً شخصياً وفكرياً، ولأن هذه الرسالة موجهة للشباب لما كان عليَّ أن أكتب في محتواها. بكلمة أخرى، لو كانت هذه الرسالة موجهة لجيل التسوية وكوادر منظمة التحرير والمثقفين العرب الذين يُطبعون مع الكيان الصهيوني الإشكنازي والإمبريالية وأنظمة الكمبرادور العربية، والذين تعبوا دون أن يناضلوا، اي الذين صار المستقبل خلفهم وهم خلفه، بل يتبادلون هو والزمن الأغبر إيا يكن السابق إلى الخلف، لما كنت كتبت. وتجدر الإشارة إلى أن كثيرين من جيل التسوية هم في مواقع قيادية للجيل أو على الجيل الشاب وبالتالي، فإن التهام الشباب لأنواع التلاعب الفكري والسياسي لدى عزمي هو أمر خطر على الشباب تحديداً.
لأنني أعرف عزمي وقدرته على لوي أعناق الحقائق وإخراجها بعكس جوهرها، ومن هنا خطورة كتابته، ولذا قررت أن أكتب. وقبل أن أتطرق إلى اللغم المخفي التي وضعه عزمي تحت أرضية نضال الشباب، أود ذكر الواقعة التالية:
حتى كانون أول عام 1994 كنت وعزمي اصدقاء نلتقي ونتحادث إلى درجة أننا قررنا معاً إصدار مجلة "فصل المقال- وهي صحيفة حزبه اليوم في المحتل 1948" أنا وهو و د. موسى بديري حيث اصدرنا منها العدد صفر وتوقفنا. زراني عزمي للمرة الأخيرة في مكتب مجلة "كنعان" في ضاحية سمير أميس جنوب رام الله وتحدثنا ساعتين كاملتين، في مواضيع شتى.
وفي الدقائق الخمس الأخيرة قال:
· هل تعرف؟ لوانتقدني كل الناس، لا يُقلقني، ولكن المهم أن لاتنتقدني أنت.
· قلت: ماذا بك؟ نحن نتحدث كأصدقاء ولم يدر بيننا حديث يدفعك لهذا القول. ماذا تقصد؟
· قال: أنا الآن على عجل سأمر مرة أخرى.
وكان هذا آخر عهدي بالرجل. لم نلتق بعدها قط.
بعد ذلك ببضعة أيام زارني وليد سالم وكان ما زال في الجبهة الشعبية حتى حينه، وأحضر لي ورقة كان عزمي بشارة قد قدَّمها في مركز دراسات الشرق الأوسط في عمان ونُشرت في صحيفة الحياة في لندن وصحيفة الصنارة في الأرض المحتلة عام 1948 وعنوانها:"شرعية تمثيل الفلسطينيين في انتخابات الحكم الذاتي".
قرأت الورقة، وحينها فقط عرفت لماذا ألقى عزمي بجملته تلك: " هل تعرف؟ لو إنتقدني كل الناس، لا يقلقني، ولكن المهم أن لا تنتقدني أنت. من هذه الورقة عرفت أن عزمي مؤيد لانتخابات الحكم الذاتي تحت الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. وبالطبع بعدها ترشح هو نفسه لانتخابات الكنيست الصهيوني. هل كان عزمي يود استخدام "شرعنة" انتخابات الحكم الذاتي كمدخل أو مطية تفيده وتدعم ترشيح نفسه للكنيست؟ هو الذي بوسعه الإجابة. بيت القصيد أن عزمي كان أثناء تعارفنا يطرح نفسه كقومي عربي، أدرك (حسب قوله) أن الشيوعية انتهت فتحول من شيوعي إلى قومي. لا بأس هذا حقه. ولكن أن يدخل قومي عربي وناصري عضوية الكنيست أي برلمان الدولة اليهودية ويقسم يمين الولاء للدولة اليهودية، هذا أمر مختلط وغريب وموارب ومداهن على الأقل[2]. أما المداهنة الأخطر فهي غض الطرف من قبل مراكز ابحاث وصحف ومثقفين عرباً عن هذا! نفهم أن الأنظمة تغض الطرف عن هذا بل وتباركه!
كتبت رداً على ورقة عزمي تلك ونشرته في جريدة الحياة نفسها بمساعدة صديق قديم هو جعفر الأحمر كان يعمل هناك، ونشرتها في مجلة "كنعان" العدد 59 كانون أول 1994. ص ص 28-32. "
أورد هنا النقاط الرئيسية في ورقة عزمي دون تفصيل، ومن رغب فليعد للمصدر، وهي:
· "...وأنه من أجل هدف التحرر من الاحتلال يجب القبول بأشكال متعددة مثل المساواة مع الآخر والتحرر الوطني والتكامل مع الوطن العربي". لاحظوا أنه يتحدث عن التحرر من الاحتلال وليس تحرير فلسطين. لاحظوا: بينما العدو يطالب بالوصول إلى النيل والفرات! ويتحدث عزمي عن المساواة مع الاحتلال رغم أنه استعمار استيطاني اقتلاعي مغتصب للأرض والبشر، والأخطر أنه يدعو للتكامل مع الوطن العربي مع وجود الكيان الاستعماري الاستيطاني أي التطبيع مع الكيان كما هو والقبول به! اي أن عزمي يخدم استراتيجية الاحتلال في الاندماج المهيمن على الوطن العربي. (سنلاحظ أدناه في ورقته المذكورة أنه ما زال على نفس الموقف).
· نقده للمعارضة بأنها أرثوذكسية بحيث ترفض كل شيء بما في ذلك"... التعامل معه (أي الاحتلال) بجزئية لا بد ان يكون فيها جانب تطبيعي مع انها قائمة على رفضه ورفض شرعنته". هذا يعني القبول بالاحتلال قبولا تطبيعيا، بمعنى أن درجة ما من التطبيع يُفتي بها الرجل رغم أنه يرى ان الاحتلال غير شرعي، وبالطبع هو يقصد احتلال 1967 وليس 1948. المهم أنه يقبل التطبيع ومع الاحتلال ويرفض شرعيته في جملة واحدة ينقض نصفها الأول نصفها الثاني. لاحظوا، أن هذا النهج في تمرير التطبيع هو الذي ولَّد حالة التطبيع الحالية حيث يتناسل المطبعون/ات سفاحاً.
· أكد عزمي أن دخول القيادة الحالية (قيادة م.ت.ف آنذاك 1994) الانتخابات على أرضية رفض أوسلو. هذا رغم أن بيرس كان قد صرح إذا دخلت حماس الانتخابات وفازت فإن إسرائيل ستلغي الانتخابات. فكتب عزمي:...سيكون من غير الممكن دولياً تجاهل القوى المنتخَبة أو قصر التعامل معها على درجة الرضى الإسرائيلي". وبالطبع، دخلت حماس الانتخابات الثانية[3]، وتم تجاهل بل محاصرة القوى المنتخَبة دولياً، أي عكس ما كتبه عزمي. فهل كان الرجل ساذجاً لا يعرف أنه لا يوجد "شيىء" اسمه دولياً، فما هو موجود هو الغرب من ضواريه (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) والدول الوكيلة والعميلة (السويد والدنمارك) وهم جميعاً كأنظمة وطبقات حاكمة وإلى حد كبير كثقافة راسمالية أعداء لنا بالفطرة والبنية والنوايا. أم هل كانت رغبه عزمي الإيقاع بحماس وغيرها؟
لاحظوا: كانت ورقة عزمي هذه قبولا واضحا باتفاق اوسلو وبالانتخابات تحت سيطرة الاستعمار الاستيطاني من جهة، كما كانت مقدِّمة لدخوله الانتخابات للكنيست الصهيوني من جهة ثانية.
* * *
ما أود تفنيده ونقده من الخطاب الطويل لبشارة هو النص أدناه الذي:
· يؤكد من جهة ما اوردته أعلاه من ورقته المقدمة في عمان منذ 16 عاماً،
· وما يبين من جهة ثانية أنه ما زال على "عهده" في اعتبار الكيان الصهيوني كياناً "شرعيا" في فلسطين، ولكن بالتغطية على الأمر بغبار عربي!
لاحظوا: رغم كل هذا هناك من يُدافعون عن عزمي بأنه ليس تطبيعياً وهناك عرب يمدحونه بإفراط. وهنا أذكر مقالة كتبها طلال سلمان في السفير مؤخراً، وأخرى كتبها فيصل دراج في الحياة اللندنية يصف عزمي بأنه مثقف جوهراني[4]. ولا أدري كيف لم ير هؤلاء كل هذا الوضوح الصهيوني لدى عزمي بشارة! إن هذا التطامن هو الذي يزج بالكثير من العرب في أوحال التطبيع المتنوعة ربما دون إدراك، أو لأنهم يقارنون ما يفعلون بأنه "خللً أو زوغان بسيط" مقارنة مع ما يفعل غيرهم! وهذا الزعم هراء. فالتخلي عن الوطن للحظة أو لزمن هو اختلاف في الدرجة وليس في النوع!
مما ورد في مقالة عزمي بشارة إلى الشباب الفلسطيني:
"رابعا: أفق النضال الفلسطيني
"...لقد أصبح رفض الرأي العام الفلسطيني التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني شرط استعادة البعد
العربي لقضية فلسطين حاليا، خاصة بعد أن تذرعت الأنظمة الرسمية العربية بمقولات مثل "الممثل الشرعي والوحيد"، و"أهل مكة أدرى بشعابها"، و"لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطيني". وهو شرط تفعيل حركة
التضامن الدولي. وهذا ممكن. ولكن لا يمكن تحريك تفعيل التضامن مع من يحرجه التضامن، وتحرجه مقاطعة إسرائيل، ويعتبرهما تدخلا في المفاوضات وفي "علاقته الثنائية مع
إسرائيل".
لا بد من التمسك بحقوق ثابتة غير قابلة للتصرف، مثل حق العودة، وزوال الاحتلال، وعروبة القدس، وغير ذلك لغرض استعادة هذا الأبعاد. وكلنا يعرف أن هذا التمسك يحبط التسوية، فإسرائيل لن تقبل بتسوية هذه شروطها.
ومن هنا فعاجلا أم آجلا يجب أن يطرح أفق أوسع للنضال يمكن أن نعتبره عنوانا سياسيا جامعا لمئات المبادرات الفلسطينية المحلية التي قامت من دون إذن من أحد في مرحلة تهميش السلطة الفلسطينية لـ"م. ت. ف".
يجب أن تُجمع مئات المبادرات الشبابية والطلابية، واللجان المحلية في مختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني، تحت سقف سياسي، وعنوانه رفض التنازل عن الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف، وأنه تعذرَ التوصل إلى تسوية عادلة بين كيانين في دولتين.
وما تطبيق نموذج الدولتين إلا هذه الحالة المشوهة المحققة حاليا على الأرض، مع تعديلات طفيفة في المستقبل في أفضل الحالات.
والأفق الوحيد لأي تحرر يحمله جيلنا والجيل القادم هو أن يعيش السكان في فلسطين كلها مواطنين متساوي الحقوق في دولة واحدة.
ولكي يحصل ذلك يجب أن تقوم هذه الدولة على المواطنة الديمقراطية المتساوية، تفكيك الصهيونية شرط لتحقيق المواطنة، وأن تنتمي فلسطين الديمقراطية هذه إلى حاضنة أكبر هي الوطن العربي.
وإن البديل لهذا الحل العادل على المدى البعيد ليس حل الدولتين، فنحن نرى تطبيقه جاريا أمام أعيننا، وإنما أن يجري التعامل مع هذا الكيان من قبل شعوب المنطقة (خلافا لأنظمتها) كدولة صليبية جديدة تزول عاجلا أم آجلا.
ومجرد التفكير في ذلك يجعل حل الدولة الواحدة في فلسطين يبدو كما هو فعلا حلا عادلا، وليس شعارا متطرفا"."
وهكذا في الوقت الذي يصر قادة الكيان على يهودية الدولة وعلى احتمال إعطاء المفاوض الفلسطيني كياناً ميتا في أجزاء من الضفة الغربية، يصر عزمي بشارة على خلخلة عزيمة الشباب بدعوتهم "شكلياً" ليؤمنوا ب "حق العودة" و "زوال الاحتلال" و "عروبة القدس". بينما هو يدعوهم جوهرياً للتطبيع بالاعتراف بالكيان؟ نعم، لا تنقص هذا الرجل مهارة التقعَّر باللغة.
ولكن: كيف سيزول الاحتلال ويتحقق حق العودة؟ هل سيتم هذا بارتفاع درجة حرارة الصيف! بينما يصر الاحتلال حتى على طرد فلسطينيي 1948، فمن الذي سيزول إذن!. وبشارة يطالب الشباب بقبول المساواة مع المستعمِرين وزوال الاحتلال طبعاً عن مناطق الاحتلال عام 1967. اي أن بشارة يقول للشباب: لا تطالبوا بتحرير الأرض المحتلة 1948، فهذه برأيه "دولة إسرائيل". كل ما عليكم الحلم به هو زوال الاحتلال عام 1967. هذا ما يجب أن يتنبه إليه الشباب. هذا هو درس التطبيع من بشارة، وتطبيع الشباب إذن.
في ماذا يختلف السيد بشارة هنا عن محمود عباس وسلام فياض ومختلف فرق أوسلو؟ في اللغة والمواربة اللغوية فقط. أية قدس التي يطالب بشارة بعروبتها؟ أليست القدس الشرقية؟ أما الغربية فهي برأيه "عاصمة إسرائيل". نعم، إسرائيل التي اقسم يمين الولاء لها في برلمانها "الكنيست".
لاحظوا: كم شخص من كبار المثقفين سأله: لماذا تطالب بزوال احتلال 1967 فقط، وبالقدس الشرقية فقط؟ هل المحتل 1948 هو أرض لليهود والقدس الغربية مدينة بنتها القبيلة العبرية قبل 3000 سنة، مع أن هذه القبيلة/الدولة لم تكن هنا بل في جزيرة العرب. ألا يعني الصمت والقراءة غير المسؤولة أن التطبيع بدأ يسري في دماء هؤلاء؟
إذا كانت إسرائيل كما يقول: " فإسرائيل لن تقبل بتسوية هذه شروطها. ولكن هل هذه هي شروط وتحديداً حقوق شعبنا وأمتنا؟
كثيراً ما يتخفى البعض وراء عبارة "حق العودة". كلمة حق أُريد بها باطلاً. فهل يمكن العودة بدون تحرير؟ هل فهمنا من هذا العدو أنه يفهم غير لغة الحق التي هي القوة؟ ولو افترضنا جدلا أن هذا العدو سوف يقبل بعودة "اللاجئين أو لاجئين" كيف سيكون وضع هؤلاء؟ إن الحديث عن "عودة اللاجئين" بهذا المعنى الفضفاض يعني:
· التسليم بأن الأرض التي احتلها المستوطنون عام 1948 ستبقى بايديهم.
· وأن الجيش الصهيوني سيبقى على حاله قوة عدوان، طالما لم يُهزم ويفكك.
· وأن الصناعات المتقدمة وخاصة الحربية ستبقى بيد المستعمِرين.
فهل من معنى لحق العودة هذا سوى الاعتراف بالكيان ليس أكثر؟ لو حصلت عودة كهذه، لن تكون سوى إعادة الفلسطينيين للعمل خدماً في منازلهم ومزارعهم التي يسيطر عليها عدوهم.
ومع ذلك، فمن المراوغة والمواربة الحديث عن "زوال الاحتلال" بغير القوة وربط هذا "الزوال" بحق العودة بينما يعلن الاحتلال أنه سيطرد من تبقوا في وطنهم عام 1948، وتتفاوض معه اليوم منظمة التحرير ضمن ما يسمى "تبادل الأرض والسكان" أي تحويل مليون ونصف هم بقية الفلسطينيين الذين لم يلجأوا إلى لاجئين!
إن هذا النص المفخَّم للسيد بشارة هو في جوهره تبهيت وتفتيت غير مباشر لعزيمة الشباب على النضال. ولكنه وبحق اسلوب ذكي يخدع الناظر ويضمن الاعتراف بالكيان!
لم يكتف بشارة بما أكده أعلاه على بقاء الكيان في فلسطين بعد "زوال" الاحتلال عن أراضي 1967، ليعود ويؤكد على مساواة المستعمِرين المغتَصِبين بأهل البلاد، وهذا لم يكن له نظير في التاريخ. لذلك يقول:
"... والأفق الوحيد لأي تحرر يحمله جيلنا والجيل القادم هو أن يعيش السكان في فلسطين كلها مواطنين متساوي الحقوق في دولة واحدة".
هنا يمارس عزمي بشاره ولائه العميق للكيان الصهيوني باعتبار المستوطنين في 1948 سكاناً متساوين مع أهل البلاد. ويقول "متساوين في الحقوق". ولو افترضنا جدلا قبول هذه المساوة والحقوق. فما هي هذه الحقوق طالما الأرض ما تزال بيد اليهود والجيش والقمم الاقتصادية[5]. وفي حقيقة الأمر، لم يحلم اليهود أنفسهم بعربي يهبهم هذا كله، اي دولة واحدة لهم فيها الأرض والاقتصاد والجيش والقنبلة النووية! كيف تخيل بشارة أن الشعب العربي الفلسطيني يقبل بذلك؟ ومرة أخرى ما الفرق بينه وبين قول عباس التنازل عن الحقوق التاريخية؟
ويعود بشارة ليُجهز نهائيا على الوعي والعزيمة عند الشباب بقوله التالي:
ولكي يحصل ذلك يجب أن تقوم هذه الدولة على المواطنة الديمقراطية المتساوية، تفكيك الصهيونية شرط لتحقيق المواطنة، وأن تنتمي فلسطين الديمقراطية هذه إلى حاضنة أكبر هي الوطن العربي.
إذن، المطلوب من الشباب برأي بشارة هو دولة ديمقراطية واحدة يتم تحقيقها "بكرم وإنسانية" العدو وليس بالتحرير، ودون أن يتخلى عن الأرض التي اغتصب ولا عن السلاح وجهاز الجيش ولا عن القمم الاقتصادية. هذه الدولة التي يفترضها بشارة من خياله سيكون الفلسطيني فيها أسوأ وضعا من الأسود اليوم في جنوب إفريقيا. هنا ستكون الأرض من المحتل 1948 كلها ملكاً للمستعمِرين البيض، بينما في جنوب إفريقيا، فإن بأيدي السود أرضاً! لاحظوا: يؤكد قوله "تحقيق المواطنة" أن بشارة لم ولن يتخلى عن الإقرار ببقاء المستعمِرين على أرض شعبنا، وبأنهم سوف يتمتعون بالمساواة التامة مع اهل البلاد. وبهذا فهو يكرِّس التطبيع تحت غلاف المناداة بالمواطنة.
والمهم، بعد أن يتأكد بشارة من بقاء كل شيىء بيد اليهود، يرشي وعي الشباب بعبارة لها معنى أخطر وهي: أن تنتمي فلسطين الديمقراطية إلى الحاضنة العربية. اي تطبيع كل الأمة العربية لقبول سيطرة الصهاينة على أرض فلسطين. أليست هذه هدية جميلة للكيان؟ وما هو المهم، استعادة الأرض من العدو أم انضمام فلسطين وقد تصهينت إلى "الحاضنة" العربية، مثلا جامعة الدول العربية التي سقفها الأعلى هو المبادرة العربية التي ركلها شارون قبل ثمان سنوات وما زالت أمعائها تتلوى!
ليس لنا سوى أن نختتم بان هجمة التطبيع لا تتوقف، وأن العدو قد خلق جيوشاً تحارب من اجله، فحتى لو نام، هم ان يناموا، ولكنه أيضاً لا ينام!