الثلثاء 24 حزيران (يونيو) 2008
حتى لا يساء فهم ما سيلي، لا بدّ من التأكيد على بعض النقاط.
أولا: لا جدال أن أفكار وقيم حقوق الإنسان هي إحدى أهم التطورات التي حصلت في الفكر الإنساني وأنه من اوكد واجباتنا تدعيمها وزرعها في ثقافتنا وجعلها جزءا لا يتجزأ منها.
ثانيا : لا جدال في أن منظمات حقوق الإنسان الوطنية والقومية والعالمية،لعبت ولا تزال دورا هائلا في معركة الكرامة،وأنه يجب ان نعترف لها بأياديها الكثيرة وتضحياتها الجسام.
ثالثا: أن منظمة العفو الدولي تحتل مكانا مركزيا ومكانة خاصة في قلوبنا جميعا ،-خاصة في قلوب من ساهمت في إنقاذهم مثلي من براثين الطغيان- وأنه لا حق لأحد في مطالبتها بأكثر ما تستطيع أو الخروج عن مهامها المحددة.
أما وقد أكدنا على كل هذا ، فإنه بوسعنا المواصلة والقول أنه لا يجب للفكر أن يتخلى عن حق وواجب النقد والتقييم وإلا نكون كمن استبدل مقدسات بمقدسات ومحرمات بمحرمات وأصنام بأصنام ، وفي هذا فخّ قاتل للقيم التي ندافع عنها وللآليات التي نعتمدها.
من هذا المنطلق نستطيع التعليق على التقرير الأخير الذي اصدرته منظمة العفو الدولي حول الوضع في تونس والذي نقرأ فيه جملا مثل."استباحة حقوق الإنسان باسم الأمن...قضاء يفتقر إلى الاستقلال ...انتهاك الحق في الدفاع ...محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية...الانتهاكات داخل السجون...الانتهاكات ضدّ من أعيدوا...أو" إن مثابرة السلطات التونسية على إنكارالاتهامات التي ارتكبت على نطاق واسع وحديثها الذي لا ينتهي عن حقوق الإنسان"....الخ".
وأخيرا لا آخرا التوصيات، وما أدراك ما التوصيات.أي جملة من المطالب المتكررة منذ عشرين سنة والتي تتوجه بها هذه الحركة الحقوقية،مع باقي جوقة المنظمات الوطنية والقومية،إلى نظام ضرب بها دوما عرض الحائط وسيواصل.
بصراحة ، لم أتمالك نفسي من الضحك وأنا أقرأ التوصيات الأمنستية. إنها نفس الموجة من الضحك الحزين التي تنتابني وأنا أقرأ بيانات نحتج ونطالب التي أصبحت سمة العجز الذي يطبع اليوم الحركة السياسية الحقوقية التونسية.
كأنك تتوجه لمجموعة من الذئاب المفترسة بالتوصيات التالية.
أولا: الكف حالا عن سرقة دجاج الناس وأكله الشيء الذي يتسبب له في الوجع وفقدان الحياة.
ثانيا تعويض الدجاج المسروق لأصحابه.
ثالثا الالتزام من هنا فصاعدا بأكل السلطة
السؤال هنا: ماذا نفعل عندما يتضح بالكاشف أن عشرين سنة من التوصيات لم تنهي الانتهاكات بل بالعكس حيث تعود اليوم بقوة لم نعهدها حتى إبان التسعينات؟
ماذا نفعل والسلطة الباغية تزداد يوما بعد يوم تقنية وتعنتا في خنق الرأي الحرّ،؟ولن أتحدث عن بقية الانتهاكات الأخرى وإنما فقط للتي تدخل في اختصاص العفو الدولي وكبرى منظمات حقوق الإنسان المحلية والعربية والدولية.
نعم ماذا نفعل تجاه ما يبدو فشلا ذريعا في كسر شوعة الانتهاكات ووقفها ثم إعادة القطار على السكة ليأخذ أخيرا الوجهةالصحيحة؟
بطبيعة الحال لا أنكر أن هناك نتائج حصلت على صعيد هذا الفرد أو ذاك.
لمداواة الإحباط الذي كان يتملكني في التسعينات،كنت أقول لنفسي لولا هذه حركية الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والتضحيات لمات لنا تحت التعذيب 400 وليس 40، لنواصل إذن.
صحيح أيضا أن هناك حالات قد تلعب فيها الإدانة والتوصيات دور الضغط المعنوي الفعال. لكن هذا لايقع إلا في أنظمة ديمقراطية ، أو على الأقل في طريق الإصلاح. أما ان نتوجه بتوصيات لنظام راديكالي ، متطرف ، عنيف مناور وكذاب يرفض كل إصلاح وكل صلح وكل مصالحة حتى مع أضعف حلقات المعارضة،كالنظام التونسي فهذا عين التصرّف السحري.
إما أننا نتعامل مع الواقع ويجب أن نأخذه كما هو ، والواقع هنا أننا أمام مجرمي دولة وإجرام الدولة ليس إلا صنفا من الإجرام ويجب التعامل معهم على هذه القاعدة....أو أن نعيش في الأوهام ومن جملتها أن أناسا بلا مشاعر وبلا ضمير،لا يستحون وإنما يخافون،سينتبهون لأغلاطهم وسيتحرك فيهم الضمير وسيسارعون لتنفيذ التوصيات .
لقائل أن يقول وبماذا توصي أنت الذي تريد الانتهاء مع أفعال نطالب ونوصي نتوجه بها للذئاب أكانوا حكام تونس أو أي بلد منكوب وموبوء بالدكتاتورية ...طبعافي نطاق المنطق والأدوات الحقوقية.
سنة 1986 جمعت منظمة العفو الدولي في لندن بعض المثقفين والحركيين للتفكير في الوسائل وقلت ما أردده الآن ومنذ عشرين سنة في كل كتاباتي .
الأسماء التي يجب أن تذكر في التقارير هي أسماء الجلادين قبل أسماء الضحايا.وهو ما فعله المجلس الوطني
للحريات سنة 1999
يجب الكف عن عدم التشخيص ، بل بالعكس يجب التركيز بوضوح على مسؤولية
الأشخاص الثلاثة المسؤولين في كل بلد عن التعذيب وبقية الانتهاكات: الرئيس ، وزير الداخلية، المسؤول الأول عن المخابرات...دون تناسي مسؤولية المنفذين طبعا.
يجب على الحركة الحقوقية أن تتقدم بقضايا في حق هؤلاء الأشخاص وغيرهم من
الذين يتوصل البحث لتحديد مسؤولياتهم إلى كل المحاكم الممكنة وأن تناضل من أجل قبول محكمة الجنايات الدولية لشكاوى ضد مسؤولين في الحكم.
يجب خلق جائزة معاكسة لجائزة نوبل واقترحت تسميتها بجائزة هتلر وتعطى
سنويا لأبشع دكتاتور ( اقتراحي هذه السنة موقابي ) ويكون المحلفين فيها من أكبر الشخصيات الاعتبارية في العالم وتحاط بكل مظاهر الأبهة يوم منحها ويوضع الفائزون في قائمة عار البشرية.تبقى للتاريخ
شاهدا.
جربوا هذه التوصيات وهي لا تكلف إلا شيئا من الجرأة وسترون أن الذئاب ستنكس رأسها
بعدها يمكن المرور لمرحلة أرقى كالسعي للحصول على إعلان أممي أن الدكتاتورية آفة من آفات البشرية مثل الاستعمار والعنصرية ومعاداة السامية وإن استئصالها مطلب ضروري لسلامة العالم وبقاء البشرية في أحسن الظروف.
كذلك يمكن العودة بفكرة تكوين المحكمة الدولية للديمقراطية التي تنظر في شرعية كل الانتخابات وتقرر أن انتخابات موقابي وبن علي غير شرعية وأن الرجلان سيحالان على المحكمة الدولية وأن دور كل الأنظمة عدم الاعتراف بنظام مبني على التزوير.
وفي الانتظار أن تنضج هذه الأفكار وأن تجد طريقها للتطبيق ، كما حدث ذلك دوما على مرّ التاريخ وكل الحالات يجب على الناس أن تتوصل للنتيجة التي تفرض نفسها.وهي أن النضال الحقوقي هو الساق الضرورية للانتصاب والمشي ، لكن الساق الثانية هي النضال السياسي وفي صورة الحال المقاومة المدنية السلمية.
يجب أن يكون واضحا للجميع أن دور حركة حقوق الانسان دكّ حصون العدوّ الاستبدادي...نفسيا ومعنويا ، لكن النضال السياسي هو الذي يشيل بن علي من قرطاج وزمرته من وزارة الداخلية وأجهزة البوليس ويضع بدلهم أناسا يفهمون ما معنى توصيات أمنستي
*************************
منصف المرزوقي
حتى يكون للأمة مكان في هذا الزمان
تصدير
للدكتور نادر فرجاني
عن المواطنة المصادرة والحق المغتصب في البلدان العربية، وضرورة العمل على استرجاعهما من أنظمة حكم الفساد والاستبداد في الدول العربية ومن قبضة القوى المهيمنة في العالم والمستبيحة للأمة العربية، يكتب منصف المرزوقي بقلم أشبه بمبضع الجراح، ومن دون مخدر.
كثيرا ما اتهم "منصف" بأنه مستفز، وأتمنى عليه أن يظل كذلك. فلن تتقدم هذه الأمة من دون استفزاز العقول الراكدة والهمم الخامدة.
وليس بمستغرب أن يستفز مثقفا مثل منصف، كنموذج وكفرد، كل قوى القعود والاستكانة التي تحكم على الوطن العربي بالتخلف والهوان.
لم يكفه التميز في حقل معرفي ومهني معين- الطب في حالة منصف- عن اقتحام الأفاق الرحبة للمعرفة الإنسانية، مثقفا يميل إلى الموسوعية، وإن ظل الطب، بثراء النسق البشري المعجز، مصدر سمة معرفية مميزة. ولم يقعده وضعه الاجتماعي المتميز نسبيا كأستاذ جامعي عن ارتياد القارات الموحشة للفعل النضالي المجتمعي والسياسي تأكيدا لمبدأي الحق والمواطنة الكاملة للناس جميعا، في موطنيه تونس، والوطن العربي الكبير، وإن لم تقف طموحاته عند هذا الحد، فللمطالبة بالحق والمواطنة الكاملة بعد عالمي يطبع أفكاره وأعماله بقوة.
LIRE LA SUITE SUR CE LIEN :في مجلة مقاربات السورية
الإعجاب والإشفاق
الاربعاء 2 تموز (يوليو) 2008
ترك إعلان دمشق أثراً إيجابياً عند انطلاقته في الأوساط العربية بحيث يمكن رصد ذلك من خلال ردود الفعل التي صدرت في المشرق والمغرب، والاتصالات التي أجراها عدد هام من المثقفين العرب مع المعروفين من إعلان دمشق. وقد تجسد هذا الموقف بشكل واضح في إشارة تقرير التنمية العربية الرابع الذي أعطى للإعلان دمشق حيزاً واضحاً.
ويمكن القول أن النقاش العربي حول إعلان دمشق قد بدأ يتضارب منذ إعلان دمشق بيروت - بيروت دمشق، حيث أعرب أكثر من عشرة كتاب عرب عن احترامهم للإعلان دمشق ولكن نقدهم الصارم له.
ومنذ ذلك الحين يمكن القول بشكل عام أن المثقفين العرب الذين يحملون رؤية يسارية أو عروبية ديمقراطية قد زاد نقدهم أكثر فأكثر للتجربة السورية ومخاوفهم من تكرارها بشكل مسخ للتجربة العراقية على رأي أحدهم"سفياني" من هنا، من أجل فهم أفضل لهذه الظاهرة توجهنا إلى الكاتب اللبناني فيصل جلول. والتونسي المنصف المرزوقي.....
.
شكرا لمجلة مقاربات على تشريفي بالمشاركة بهذا النقاش السوري السوري حول تقييم مسيرة إعلان دمشق . لكنني سأتهرّب بكل شجاعة من الردّ على أغلبية الأسئلة لعدة أسباب ،منها أنني لست على ثقة بمعرفة دقيقة للأشياء حتى أسمح لنفسي بإصدار أحكام معيارية. ربما هناك خوف من توسيع دائرة خصومي وهي بغير حاجة لمزيد من التوسيع. أخيرا وليس آخرا لاعتقادي أنني، إذا أردت أن أكون عنصرا نافعا في هذا النقاش الهام ، فهذا يتطلب مني أن أعين إخوتي السوريين بتمكينهم من النظر لشؤونهم بعين خارجية، قد لا تكون ثاقبة، وقد لا تكون أحسن نظرة ، لكن من مزاياها أنها تعطي للوعي مستوى جديدا . فالقاعدة أننا ننظر للعالم دوما انطلاقا من ذواتنا وبرج المراقبة هذا ليس بالضرورة أحسن برج ،ومن ثمة هناك ضرورة للاستعانة بعين لآخر وإن كانت عين السخط حتى تتضح كل المساؤى التي تسهو عنها عين الرضا.
وحتى أكون صريحا أضيف أنني أفضل عدم الخوض في قضايا اجرائية ومشاكل حزبية وشخصية ، للتركيز على الأهم وهو التحديات الاستراتجية التي تواجه إعلان دمشق لأنها نفسها التي تواجهها اليوم كل حركات التغيير السلمي الديمقراطي في أرجاء الوطن الكبير ، وما الوضع السوري إلا حالة قد تكون ...اصعب الحالات.
كيف ينظر مناضل ديمقراطي عربي من تونس تحديدا للشأن السوري وخاصة لقضية إعلان دمشق؟
يمكنني القول - أو الاعتراف- أنني أتابع تجربة المعارضة السورية وخاصة تكوين جبهة إعلان دمشق بكثير من الإعجاب ...والإشفاق...والشكّ المتزايد في مستقبله.
لنبدأ بالإعجاب الذي يشاركني فيه كما أعتقد كل العرب الذين يتابعون الشأن السوري .
هذا الشأن جزء من الهمّ المشترك ، معركة في ساحة محددة لحرب واحدة أي حرب التحرر الوطني ضدّ احتلال داخلي بغية تحقيق الاستقلال الثاني أي بناء النظام الديمقراطي على أنقاض دولة الفساد والقمع والتزوير.
الإعجاب ناجم عن الوعي بأنه لا يوجد شعب عربي تعرّض لقمع وحشي كالذي عرفه الشعب السوري تحت ظلّ أشرس دكتاتورية عربية معاصرة، قد لا تفوقها عنفا ووحشية إلا الدكتاتورية البعثية الأخرى، التي انهارت للأسف بضربات الاحتلال الأجنبي المقيت... وكم كنا نودّ أن نراها تسقط بفعل القوى الداخلية حتى لا تنبت للأشباح أنياب جديدة وقد أنست فظاعات الاحتلال فظاعاتها، وأنها كانت السبب الرئيسي لمجيئه وللكوارث التي تسبب فيها.
وإنها لمأساة فكرية وشعورية بالنسبة لوحدوي وعروبي أبا عن جد - وباق على العهد - أن تكون أبشع الأنظمة الاستبدادية هي التي تغطت برداء القومية. لا يستطيع المرء إلا أن يقف مشدوها أمام الدمار الهائل للاستبداد "القومي" في العراق وليبيا وسوريا ليس فقط على مستوى الأجساد والأرواح والقيم ومؤسسات الدولة والمجتمع، لكن أساسا على مستوى الأحلام، وقد أصبحنا نخجل اليوم حتى من كلمات الوحدة والحرية والاشتراكية.
ورغم حماة، والتعذيب، ومخادع البراءة في المحتشدات سيئة الذكر مثل تدمر، وسنوات بل عقود من القهر المنظم، فإن المجتمع السوري - الذي كان قبل وباء الاستبداد أكثر المجتمعات العربية تقدما - استطاع أن يحتفظ بجمرات تحت رماد الحريق الذي اكتسح البلاد والعباد طيلة حكم الأسد الأب منتجا قوى حقوقية وسياسية حافظت على جذوة الحرية في أصعب وأقسى الظروف. لا يستطيع المشاهد التونسي الذي لم يجرّب قمعا وحشيا كالذي عرفته المعارضة السورية إلا أن ينحني بكل تقدير أمام آلام رهيبة وتضحيات جسام وشجاعة منقطعة النظير وإصرار يبعث على موجة من الاحترام والتهيّب.
ثمة سبب ثان للإعجاب ( مشوب بشيء من الغيرة) وهو نجاح الاخوة السوريين في تكوين ما عجز عنه التوانسة والمصريون والليبيون والجزائريون ...أي تكوين جبهة سياسية واسعة من أحزاب وشخصيات وعلى برنامج سياسي. صحيح أن إعلان دمشق لم يشهد انخراط كل القوى وشهد انسحاب البعض منها . لكنه إطار غير معروف في بقية أقطار الوطن العربي. إنه أمر عجزنا على تحقيقه في تونس حيث لم تتمخض محاولات لا عدّ لها ولا حصر إلا على تكوين جبهة حقوقية تكرر نفس المطالب العقيمة لتي طالبت بها منظمات حقوق الإنسان طوال 20 سنة دون نتيجة. كذلك الأمر في مصر حيث بقيت المعارضات مفككة ومجزأة ومن ثمة عاجزة عن تأطير شارع مؤهل للانفجار في كل لحظة بحكم ما وصلت إليه معاناة الناس.
الشعور الثاني هو الإشفاق .
فالصعوبات الكبرى وراءكم والصعوبات الأكبر أمامكم والمفر غير واضح . بصراحة لن أحب أن أكون مكان إخوتي السوريين. فالدكتاتورية سواء في تونس أو مصر نظام "سهل" الاقتلاع وتكلفة العملية لن تكون باهظة. مثلا النظام في تونس هرم موضوع على رأسه. يكفي أن تأتي هزة قوية لكي يسقط على جنبه . كل رأس مال هذا النظام جيوش جرارة من الشرطة الكارهة لوضعها والواعية بأنها في خدمة عصابتي إجرام هما عائلة بن علي وعائلة زوجته ليلي الطرابلسي ...وهي لا تنتظر إلا منقذا جديدا من داخلها أو من خارجها ويومها لن يرفع تونسي واحد نصف اصبع للدفاع عن نظام ليس له سند سياسي أو طائفي أو قبلي أو طبقي . حتى العراب الأجنبي الذي يستعمل هذا النظام في حربه ضد "الارهاب" لن يجد صعوبة في قبول نظام لا يضطر للتعامل معه على استحياء. نفس الشيء في مصر حيث لا أحد يعتقد أن الجيش سيقبل بتوريث الجملكية المصرية، أو أن الأمور ستتواصل وقد بلغ إفلاس النظام أنه أصبح عاجزا عن توفير الخبز والماء .
عامل آخر يسهل على التوانسة والمصريين والليبيين التعامل مع الدكتاتوريات وهي أن هذه الأخيرة بدون شك أنظمة عميلة فوتت كل ما بقي من الاستقلال الأول مما يجعل الوطنية والمواطنية شيئا واحدا.
صعوبة الوضع في سوريا ناجمة عن تضافر عاملين: الركيزة الطائفية للنظام وورقة "الوطنية" التي يلعبها نظام مستهدف من قبل "الفوضى العالمية الجديدة "التي تقودها إدارة بوش.
كيف سيلعب المجتمع السوري ضد هذه اللعبة؟ إنها مسألة شائكة لن يكون من السهل حسمها خاصة إذا لم يكن هناك وضوح كاف في الخطاب. لست من النوع الذي يسدي النصائح - ولو أنني من الذين يقبلونها بامتنان - لكنني أودّ أن أقول لاخوتي السوريين : يجب ألا يكون هناك أدنى لبس في خصوص رفض الطائفية وكل كلام منمق يخفي وراءه ما لا يفصح هو خيانة موصوفة لمشروع التحرر. كذلك لا بدّ أن يكون الموقف من ورقة " وطنية" النظام خاليا من كل لبس. فلا مجال للمفاضلة بين الاستبداد والاستعمار لأنهما وجهان لنفس قطعة النقد.
يجب ألا يكون هناك أي لبس بخصوص الرفض القاطع للتعامل مع الاستبداد الخارجي الممثل اليوم في الإدارة الأمريكية والانخراط في أي من ألاعيبها ويكفي ان تكون هناك تجربة عراقية واحدة.
وبنفس الصرامة يجب رفض مفهوم " وطنية " النظام ، لأنه لا وطنية اليوم إن لم تكن مواطنية، وخارطة الوطن في فهمنا الجديد تمرّ على جسد كل مواطن لأنه هو لا غير الممثل الشرعي والوحيد للوطن، ومن ثم فإن الخيانة الوطنية ليست التعامل مع الأجنبي بقدر ما هي التعامل مع المواطن-الوطن، بالوحشية والترويع والتسلط والاستنزاف وكل موبقات النظام الاستبدادي.
السؤال كيف يمكن التوفيق بين الأمرين، مثلا لو تعرضت سوريا لاعتداء خارجي واستنفر النظام حوله الشعب لاعبا مرة أخرى ورقة وطنيته المزعومة . بالطبع لا جدال أن على كل الديمقراطيين الوقوف في وجه الاعتداء لكن مع التأكيد أكثر من أي وقت مضى على أن ما يدافعون عنه عنه هو المواطن - الوطن ، أو وطن المواطنين وليس نظاما لن يكتسب أي شرعية بهذه المواجهة مع الخارج لأن خيانته للشعب وحقوقه المشروعة متأصلة فيه ويجب أن ترحل معه.
آتي هنا للنقطة الثالثة وهي الشكّ المتزايد بخصوص الاستراتجية التي يعتمدها إعلان دمشق.
هذه الستراتجية مبنية على السعي للتغيير الديمقراطي بالأسلوب السلمي التدريجي.
السؤال هل هذا مشروع قابل للتحقيق أم هو وهم إضافي سيضاف لقائمة الأوهام التي جرينا وراءها طوال حياتنا وأدت بنا إلى الطرق المسدودة وخيبات الأمل التي عرفنا ولا نزال نجرّب لوعتها.
نقرأ في وثيقة التأسيس أن " إقامة النظام الوطني الديمقراطي هو المدخل الأساس في مشروع التغيير والإصلاح السياسي ويجب أن يكون سلمياً ومتدرجاً ومبنياً على التوافق ، وقائماً على الحوار والاعتراف بالآخر"
لننطلق من كون الخيار السلمي لإقامة النظام الوطني الديمقراطي خيار مبدئي غير خاضع للنقاش ومن لا يقبله مطالب بالبحث له عن إطار آخر.
لكن أن يكون التغيير متدرجا ومبنيا على التوافق والحوار والاعتراف بالآخر (أي اساسا السلطة) فقضية تكتيكية يجب تفحصها بتمعن للتأكد من صلاحيتها. وليس من الواضح أن الاتفاق حولها سيكون سهلا.
لنبدأ بقضية الإصلاح المبني على التوافق والحوار والاعتراف المتبادل. هذا الإصلاح مثل الزواج لا يكون إلا بتفاعل طرفين. ماذا يبقى من المشروع إذا رفض الطرف الآخر "الزواج" والإنسان لا يمكن أن يتزوج من نفسه . الحل الوحيد ، إذا أردنا التمسك بنفس المنظومة الفكرية ، هو التحلي بمزيد من الصبر وتكثيف الضغط المؤدب ومواصلة الإلحاح ليقبل الطرف الآخر يوما ما بالإصلاح بعد أن يهديه الله إلى سواء السبيل ، أو أن تتغير الظروف. ها قد تحول المشروع من الإصلاح إلى مشروع الإقناع بالإصلاح.
وفي الأثناء ، كيف سنقنع الشعب المقهور، الجائع، الضحية المزمنة، بمصداقيتنا ونحن نتلقى اللطمات وأقصى ما نفعل الاحتجاج عليها بدل مواجهة لاطم نعرف جميعا أنه يخاف ولا يستحي؟
كيف سنصبح طرفا مقبولا لدى هذا الجبان العنيف الذي لا يستحي وبأي طريقة عقلانية سنقنع هذا المخيف الخائف بالدخول معنا في زواج إصلاحي سيؤول على الوطن بالبنين والبنات من المؤسسات الديمقراطية الحديثة وليدة مثاليتنا حسن استعداده.
نعم ماذا نفعل إذا أصرّ الطرف الآخر ليس فقط على رفض الإصلاح وإنما على المضي قدما في مشروعه الدكتاتوري؟
إنه الجدار الاسمنتي الحديدي الذي يرتطم به المشروع الإصلاحي والذي يحاول أصحاب الخيار إسقاطه حتى لا يفقدوا ثقتهم في مقومات وجودهم .
صعوبة هامة أخرى في هذا الخطاب العام لم يسلم منها النموذج السوري : التدرّج .
كيف سنتدرّج في بناء النظام الديمقراطي على افتراض أن هناك في الطرف المقابل من سيقبل بمحاورتنا بغير البوليس والقضاء.
ركائز النظام الديمقراطي أربعة : استقلال القضاء والحريات الفردية والحريات العامة والتداول السلمي على السلطة عبر انتخابات (لا يجب أن تعرف بأنها كذا وكذا وإلا صارت شبهة).
كيف سنتدرّج مثلا في تحقيق ركن استقلال القضاء ؟ هل سنقبل بأن يبقى فاسدا للعشر سنوات الأولى ؟ كيف سنتدرّج في بند الانتخابات : هل سنعطي السلطة - كما طلب ذلك البعض في تونس في الثمانيات- آليا الحق في ثمانين في المائة من مقاعد البرلمان ونأخذ الباقي ( حتى نطمئن سيادتها فلا تقلق على مصيرها ) وبعدها نتفاوض كل سنة حول المقاعد المتروكة للمعارضة ، والشعب يفتعل الذهاب للتصويت. ماذا بخصوص الحريات ؟ كيف يكون التدرج في حرية الصحافة ؟ هل سنمنع باتفاق ضمني الحديث في فساد العائلة المالكة والباقي مسموح به؟
إن لم يكن هذا هو التدرّج فما المقصود به؟
ليتأمل أصحاب هذا المفهوم الغريب من كل جوانبه وسوف يكتشفون أنه لا يستقيم، فالديمقراطية هيكل متكامل الأجزاء وهذه الأجزاء لا تكون إلا بوجودها معا وفي نفس الوقت وفي تناغم . مما يعني أن الديمقراطية موجودة أو غير موجودة و التدرج هو الاسم الآخر لديمقراطية مغشوشة و خدعة حرب استعملها الاستبداد لخداعنا ونستعملها اليوم نحن في محاولة يائسة لخداعه.
الكل يعلم أن أي إصلاحات حقيقية يجب أن تكون في مستوى اللب لا في مستوى القشور وإنها إذا كانت جوهرية فإنها ستفتح الباب أم سيل المطالب المعلقة منذ قرون والممنوعة بسدّ القمع، وأنّ فتح هذا الباب فلن يغلق إلى أن تذهب الأمور إلى نهايتها. كلنا ندرك هذا والاستبداد الخائف أول من يدركه، فلماذا نصرّ على استعمال كلمات لا معنى لها ولا مستقبل.
يخطئ من يتصور أنني أدعو هنا لخطاب راديكالي نتيجة تطرف فكري أوتشنج عصبي يجب أن يواجه بالحكمة والتعقل والوسطية وكل هذه الكلمات المنمقة التي تخفي وراءها ما تخفي.
فالسياسة كسياقة السيارة. يجب أن تتوجه إلى حيث تريد أن تتوجه عبر رؤيا واضحة للطريق وللعقبات . يجب أن تكون حريصا على روحك و أرواح الناس ، منتبها لقدراتك وخاصة لحالة الطريق . هذه الحالة لا تحدد الهدف طبعا (بناء نظام ديمقراطي بالوسائل السلمية) ، لكنها تحدد السرعة وظروف السياقة التي قد يكون منها التوقف على قارعةالطريق وانتظار مرور عاصفة أو إعياء مفاجئ يتطلب اغفاءة قصيرة . الخطأ أن تسرع في مدينة مكتظة ،أو أن تدخل السيارة الطريق في تردّد فتتسبب في حوادث قاتلة.
المطلوب إذن ليس الاستسلام لمزاج وطبع وأهواء وعواطف وإنما الردّ الذكي على سؤال واحد : كيف تكون السياقة السليمة الآن وهنا .
وهذا سؤال لن يفلت منه أحد ، لا في سوريا ولا في تونس أو مصر أو ليبيا الخ . نعم كيف تكون "السياقة" عندما تواجهك دكتاتورية خائفة و متعنتة ترفض كل حوار وكل إصلاح لأن الشروط الذاتية والموضوعية لمثل هذه الإصلاح غير متوفرة.
مشكلة أخرى لا ينتبه لها الخطاب الطوباوي عن الإصلاح والتدرج ، وهو أننا أولا في سباق مع الزمن الذي يدمّر كل يوم شيئا ما من وطن يخرب بصفة متسارعة ، وحلّ الانتهاء من كل هذا البؤس بالعنف.
من لا ينتبه اليوم أننا دخلنا على امتداد الوطن العربي في حالة حرب أهلية ساخنة أو باردة ، متفجرّة أو تتأهب للانفجار وأن المقاومة المسلحة تقدمت شوطا بعيدا هنا وتراجعت هناك ، لكن المستقبل لها إن لم نفعل شيئا .
كل هذا مجددا لأنه لا وجود عند الطرف المقابل لأي رغبة وخاصة لأي قدرة على إعلان السلام وطلب المفاوضة مع الممثلين الحقيقين للمجتمع حول الحل الوسطي الوحيد المثالي: نقل السلطة للشعب مقابل عدم المحاسبة ومصالحة على طريقة جنوب افريقيا عندما صفت احتلالها الداخلي .
الخيار إذن في ظل الهروب إلى الأمام الذي يمارسه النظام السياسي العربي الفاسد، وتنامي المقاومة المسلحة، وخاصة في ظل تزايد الفقر الذي يشمل اليوم 62 % من أمتنا وظهور شبح الجوع ، هو أن نكون أو لا نكون ، اقصد كحركة سياسية مدنية .
إذا أردنا ألا نكون فالطريق هو مواصلة تسجيل الحضور السياسي بخطاب سريالي يطالب من حيوانات كاسرة مرعوبة أن تتخلى عن معاقلها ويحاول طمأنتها بكلمات معسولة وكأنه يمكن ترويض الكواسر بسكاكر حلوى ملونة ...أو القطع النهائي مع الاستبداد ورفض كل شرعية له والتنظم كمقاومة مدنية سلمية والتوجه بالخطاب السياسي للناس لا للسلطة والقبول بأن تكون التضحيات التي سندفع ثمنها في كل الحالات هي في خدمة التوجهات الوحيدة التي يتطلبها الوضع المسدود والتي يمكن أن تعطينا شرعية ومصداقية لدى الرأي العام .
وحتى هذا ...قد يكون جاء متأخرا .
ومع هذا لا خيار لنا جميعا غير الثبات والمواصل