Overblog Tous les blogs Top blogs Politique Tous les blogs Politique
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

Publicité

www.liqaa.net....الخطأ الاستراتيجي للحركة الإسلامية شخصنة الص

http://www.levidepoches.fr/pourquoitucours/images/2007/07/28/animaux_russes_rge1.png

الخطأ الاستراتيجي للحركة الإسلامية شخصنة الصراع

الجزء الثاني : توضيح للفكرة والمصطلح

د.خــالد الطــراولي

ktraouli@yahoo.fr

لم أكن أنوي كتابة جزء ثاني لموضوع شخصنة الصراع بين الحركة الإسلامية والأنظمة الحاكمة [الخطأ الاستراتيجي للحركة الإسلامية : شخصنة الصراع / الجزيرة ومواقع أخرى ] ، نظرا لأني ظننت أن الفكرة كانت واضحة، محورها وأطرافها وأنها قد استوفت حقها أو قاربته. لكن بعض الردود سواء التي وصلتني عبر بريدي الالكتروني مشكورة أو التي قرأتها تعقيبا على المقال على منبر الجزيرة أو غيره، والتي رأيت في البعض منها إثارات ونقد وإثراء للإشكالية، كما  حوى البعض على خلط في المصطلح أو عدم فهم للفكرة والغفلة عن إدراك الترابط العضوي بين المحور والأطراف، أسبابا ومسببات وأهداف، أو حتى انزعاجا لفكرة نقد الحركة الإسلامية من أساسها، من جراء كل هذا رأيت الاسترسال في الحديث محاولة مني لتوضيح أكبر للإشكال ولو باقتضاب أحيانا ومعذرة لدى الجميع على الإزعاج.

حتى يستبين الحديث نبدأ من البداية...لماذا المقال؟

المقال عموما وككل مقال تجتمع فيه  فكرة وتشكل لغوي ومنهجية وهدف، وهدف هذا المقال كان مضاعفا:

1 / اعتبار الشخصنة حقيقة واقعية في المشهد السياسي المعارض العربي والعالم ثالثي أيضا، حيث يتركز الصراع في الغالب من الأمر على تناطح ديكة. والحركة الاسلامية لم تخرج من هذا العموم فقد صبغ تاريخها صراع كانت عناوينه المهيمنة أسماء حكامها في تلك المحطة من الزمن سواء كان في تونس بورقيبة أو بن علي، أو في مصر عبد الناصر أو في سوريا الأسد الأب. وإذ كنت قد اقتصرت على الحركة الإسلامية فبدافع إبراز شأنها ومحاولة لتشخيص أكثر تعمقا لملامستي لها عن قرب كتجربة حياتية وتنظير متواصلين.

2 / الحديث عن الاستراتيجيا لم يكن اعتباطا، وللأسف لم يتعرض أحد إلى هذا البعد رغم ذكره في العنوان وتفسيره في التوطئة كمصطلح، ونحن نفرق بينه وبين التكتيك، فالاستراتيجيا توجه عام وفعل يحمله إطار متحرك بعيد المدى يؤسس لمنهجية وخطة وهدف واضحي المعالم والأفق. والتكتيك فعل قصير المدى يتحرك في إطار الكر والفر، فهو المناورة والموقف الحيني والممارسة اللحظية. وقد غابت الاستراتيجيا في عمل الحركة الإسلامية إلا من رحم، مما جعلت حراكها يعيش الحدث ولا يصنعه، يسعى إلى رد الفعل أكثر من إنشائه وإبرازه. وقد سعت الورقة إلى إبراز هذا الإشكال باعتبار أن الشخصنة خطأ استراتيجي، سعت إليه الحركة بوعي أو بغير وعي، أو دفعت إليه دفعا. حيث ساهم في استفحال نظرية الانتظار والعدم في مستوى الفعل المبرمج والواعي، أو المواجهة والصراع المأسوي.

3 / الاعتراف الضمني بغياب المشروع الإسلامي في شكل خطط وبرامج لدى أغلب الحركات الإسلامية، حيث تهيمن لغة فضفاضة من قبيل "الإسلام هو الحل" دون التعبير عنها بكل قوة في تخطيط ورؤى، تتنزل على واقع معين وتستجيب لتحدياته. والشخصنة ساهمت ولا شك إلى جانب أسباب أخرى في ضمور جانب البناء والإبداع لدى الحركة الإسلامية.

هذا ما سعت إليه الورقة وحاولت إبرازه وتنحية الغبار عن البعض من المسكوت عنه، وأرجو أنها نجحت ولو في القليل من ذلك.

4 / لكن هدفا رابعا تسلل إلى الموضوع بعدما رأينا بعض الردود وهي تتحسر على أن إسلاميا من بني جلدتنا يراجع أو ينقد الحركة الإسلامية، حيث أصبح المقال محاولة تعويد الإخوة على المراجعة والتقييم وقبول اختلاف الرأي داخل الصف، وأن المشروع الإسلامي ليس منزّها عن الخطأ، فخطابه مدني وأصحابه أناس لا يحملون أي عصمة لهم ولا قدسية لأفكارهم، بل هو اجتهاد بشري خالص يحمل الصواب والخطأ. ولا زلت أقيم هذه التجربة الرائعة منذ أكثر من 10 سنوات حيث كتبت أول ورقة في ذلك تعبيرا عن انشغال متواصل وهم نريد من وراءه إنجاح هذا المسار وتنحية الأشواك التي تعترض طريقه وما أكثرها، والله من وراء القصد.

جولة في المحطات الأساسية للمقال

احتوى المقال على بعض الأفكار المحورية، وكان ذكرها مقتضبا لعدم تحمل الورقة أكثر من ذلك لدواعي النشر ومنهجية المقال، وقد غفل البعض عن الوقوف على بعضها، وقد رأيت إلزامها مجددا وتوضيحها، حتى لا يقع إغفالها نظرا لأهميتها في تركيبة الموضوع. ومن لم يفهم علاقتها بالفكرة المحورية فقد غاب عنه لب المقال :

1 / الشخصنة أخفت "صراع المشاريع" وتدافع البرامج والخطط، سيقول البعض بأن واقع الاستبداد لا تهمه المشاريع، فهو يريد الاستفراد وما سواه العدم، والاستبداد لم يترك المجال للبناء، فبين الزنزانة والملاحقة والتشريد لم يكن الفضاء مؤهلا للعمل. إذا كان في الحديث شيء من صحة في ظاهره، إلاّ أنه يخفي ضمنيا مسألة هامة وبديهية...

ماذا تريد الحركة الإسلامية؟ أليس إصلاح مجتمعاتها ورفاهتها روحا ومادة؟ وهل يكون الإصلاح بدون علم، بدون فقه بالمرحلة، بدون وعي بمستجدات الواقع. وهذا يتطلب العمل والإبداع، ولن يكون هذا على طريق مفروش بالورود، فالأشواك سوف تغطي كل الإطار وهذا بُعدُُ لا أتصور أن الحركة الإسلامية لم تدمجه في فلسفة وجودها ومنهجية عملها، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم عبرة في كل حياته الكريمة التي لم تخلُ لحظة من بناء وإنشاء، سواء كان الإطار قابلا ومعينا، أو رافضا ومعاديا.

ولقد ذكرت في العديد من كتاباتي السابقة أن كتابة البرامج والخطط، يمثل أكبر معظلات الحركة الإسلامية وحتى المعارضة عموما، وهذه الكتابة تمثل مسارا وعقلية ومنهج. فهي عقلية بما توفره من تربية الأفراد على مسلك البناء والمراجعة والتقييم والتقويم، وهي مسار بما تعنيه من تواصل وتحديد المحطات وتجديد الأهداف تكتيكا واستراتيجيا، وهي منهج في التعامل الداخلي في الإبداع والجرأة وحرية الكلمة واستقلالية الرؤى والتعبيرات، ومنهج مع الخارج في القبول بالحوار والتعايش والتعارف.

2 /  الشخصنة ليست التشخيص وهذا ما استرسل فيه أحد الأفاضل، في ذكر حال الاستبداد وبيئته مستعرضا كما هائلا من المستبدين، حيث سقط حكمهم بسقوطهم، ومع احترامي له ولغيره، ولعلي لم أستطع تبليغ الفكرة إليه، كما عبّر لي مشكورا، أحد السياسيين التونسيين البارزين، معلقا على المقال في كلمة موجزة أرسلها لي "في النظام الاستبدادي الشخص هو الذي يبني هرم الدولة وكل اللبنات التي يضعها تحمل عقيدته وبصماته وفكره وغالبا لا أخلاقيته...، لذلك لا يحدث تغيير حقيقي وجذري إلا برحيل الدكتاتور " [الرسالة كانت خاصة لذلك معذرة على عدم ذكر صاحبها] غير أن تساؤلا مزعجا يطرح نفسه بقوة لا أجد له جوابا...

هل تواصل الاستبداد بعد رحيل لينين أو ستالين؟

هل نعمنا بديمقراطية حقة لما غادر عبد الناصر هذه الأرض؟

هل تغير المشهد المستبد والعاصف لما ذهب صدام إلى لقاء ربه؟

هل عشنا جنة الحرية لما غادر بورقيبة قصره؟

نعم ذهب ستالين فمن استخلف؟

نعم ذهب صدام فماذا ترك؟

نعم ذهب بورقيبة فماذا ورّث؟

ألم يكن الشعار دائما مات الملك يحيا الملك، مات المستبد يحيا المستبد؟؟؟

إن الاستبداد لا يسكن قصر الحاكم فقط ولا جمجمة رأسه، وهذه هي الشخصنة، ولكنه عقلية وثقافة تدخل البيوت وتمشي في الأسواق، وبالتالي بموت المستبد لا يعني نهاية الاستبداد، بل يمكن أن يتواصل بأكثر حدة والأمثلة من حولنا غير منعدمة.

فالقضية ليست في شخص ولكن في نظام ونسق [وأنا أفرق بين الاثنين] وهنا الخطأ الاستراتيجي الذي يبتعد أكثر من مسافة الأنف، فعملية الشخصنة في الصراع جعلته يتمحور حول شخص في مقابلة شخص أو أشخاص [انظر حال الحركة الإسلامية في بعض البلدان] فالتدافع والصراع حسب رأيي المتواضع هو صراع برامج وفلسفات حكم وأجندات سلطة وتغيير وخطط تنمية ونمو، وهذا الذي يجب أن يكون. والقبول بالشخصنة في الصراع هو القبول بالسقوط في فخ متعدد الأبعاد :

* البعد الأول : إذ اعتقدنا بأن الأخطاء والفشل المصاحب للحكم هي أخطاء شخص تنتهي بانتهائه، وهي الشخصنة، فبالتالي يمكن أن نقبل بأي شخص بديل يطرح فكرا وتصورا ذاتيا لحكم البلاد سواء خرج هذا الأخير من داخل القصر، فتكون ثورة بيضاء يساعدها أطباء أو فلاسفة أو مثقفين، أو يأتي على ظهر دبابة تحمل أرقاما وطنية أو أجنبية، والأمثلة كثيرة في هذا الباب. بالمقابل فإن الابتعاد عن الشخصنة هو ابتعاد عن ربط الفشل والهزيمة بشخص، واعتبارهما نتائج نظام ونسق وفلسفة حكم تتجاوز عتبات القصر لتجد أطرافها في نخبة وأطر ومصالح وفئات، وحتى عقليات!

* البعد الثاني لهذه الشخصنة : هو إعلاء مكانة هذا الحاكم ورفع مقامه، وهذا ما يريده. وشعوبنا الكريمة والوفية، رغم تجدد الوعي لا يزال بعضها بسيطا وعلى الفطرة الطيبة يقتنع سريعا بما يشاهد أو يقال فتنطلي عليهم فكرة الرئيس المؤمن والمجاهد الأكبر وحامي حمى الدين والوطن وأن أي جرعة دواء تصلهم أو رغيف خبز أو ترميم كوخ متداعي هي من مكرمات هذا الأمير ومن عطاياه الجليلة

* البعد الثالث : وهو أن هذه الشخصنة تريح وتستريح عند بعض المعارضات لأنها تكفيهم مؤونة البحث عن البرنامج البديل والتصور المغاير والخطة الفريدة، فليس التدافع بين فلسفات في الحكم وبرامج ومقاربات وأطروحات وتطبيقات وهو ما يتطلب جهدا ومنهج تفاعل وتفعيل مغايرا كالمقابلة الشخصية بين طرفي صراع،  شخص على القمة هناك في الضفة المقابلة بتاجه وصولجانه وآخر هنا يحمل عقلية الشيخ بمريديه سواء كان هذا الشيخ علمانيا أو إسلاميا.

3 / علل بعضهم أن الشخصنة موجودة وفرضت نفسها والصراع مع المستبد هو صراع مفروض مع شخصه، فهو كل شيء وما سواه العدم، فتوجيهات الرئيس ورغباته تجدها في أبسط الأشياء! وهذه حقيقة تخفي حقيقة أكبر... نعم ألم يقل بورقيبة بعد أن قالها لويس الرابع عشر أنا الدولة أنا النظام، نعم كل الإطار، كل البيئة، كل الواقع المحيط يعود إلى المستبد، لكن ألا يمكن أن نسأل باستغراب: من أنتج هذا الواقع؟ من شيد هذا الإطار؟ أليس هو المستبد!!! والسؤال الأساسي الذي ينبثق منه : هل نواجه هذا المستبد أم نواجه واقعه الذي أنتجه؟؟؟

فإذا أردنا مواجهة الشخص، وهذه تجربة الحركة الإسلامية غالبا، وهي الشخصنة في مفهومها البسيط، فإنه سوف يغلب على خطابنا إما النداءات والاستجداء أو المواجهة العمياء. أما إذا أردنا مواجهة واقع الاستبداد الذي أنتجه فهذا يتطلب العمل بجد وتشمير السواعد وسهر الليالي في مستويين تمثلان استراتيجيا متكاملة:

ـ  التقرب من هذا الواقع وملامسته ومعايشة ليله ونهاره والصبر على طول مدته ووعورة طريقه وعدم حرق مراحله.

ـ بناء الفكرة والبرنامج والخطة من خلال فقه المرحلة والواقع المتجدد.

4 /  لم تكن الشخصنة وليدة مستبد اليوم ولا شك، وإنا لنرى تفعيلها في ثنايا ممارسة السلطة في التاريخ الاسلامي حتى أنك لتعجب حين ترى أن كل تاريخ مجتمعاتنا وكل مظاهر حضارتنا ومشهدها الزماني والمكاني يقع ايجازه وحصره في تاريخ سلطان وحاجب، ولا يكاد يغادر القصر فتاريخنا تاريخ ملوك أشخاص وليس تاريخ مجتمعات وجماعات.

ختامـــا

 ليس الاستبداد نزوة حكم فقط أو نفحة طائشة طالت عقل فرد حاكم في يوم عاصف ولكنه عقلية جماعية ومنهج حكم ومصالح نخبة وفئة، وحتى ثقافة اجتماعية لا تتوقف فقط عند سياج القصر ولهذا كان احمد أمين صادقا حين عبر عن هذا التلازم بين الاستبداد والظاهرة الاجتماعية.   فالاستبداد يتجاوز شخص الحاكم ولا ينحسر في دهليز عقله ولكن يفيض على حاشية متزلفة وحالمة وأتباع مستغلين وانتهازيين.

إنا نواجه المستبد في شخصه، وهو يواجهنا في عقولنا وفي بيوتنا وأسواقنا..، نواجه المستبد في يده التي تبطش وصوته الذي يرعب، ويواجهنا بمخطط بطش، وخطط تجفيف المنابع، وبرنامج استحمار، وفلسفة حكم مبنية على الإقصاء والاستفراد والاستخفاف.

إن خطأ هذه الشخصنة كما ذكرنا هو حصر كل مآل حاضر ومستقبل شعب ورهنه في أيد قليلة أو في يد رجل واحد، مما يغلّب منهجية الصراع على منهجية المصالحة، ومنهجية رد الفعل، على منهجية صناعة الفعل، حيث أن القصر لم ولن يكون وحدة متجانسة، وأن صراع الأجنحة وإن يخفت في بعض المحطات فهو موجود ودائم. كما أن السواد لا يلف كل أرجاء القصر حتى وإن كان عميده يمثل كابوسا في وضح النهار، ومن صالح الحركة الإسلامية البحث عن هذه الأطراف الخيرة ومراكز القوة الوطنية وعدم شخصنة صراعها، فمن صالحها ارتباطها بكل مواطن الخير حتى وإن وجدت داخل الأسوار دون تذلل أو مساومات أو تعد على المبادئ والثوابت ومنظومة القيم!!!

والله أعلم.

مع شكري المتجدد لكل من راسل أو كتب وعقّب، وأملي أني لم أزعج أحدا أو أبخس أحدا

16 أفريل 2008

ملاحظـة  : يصدر قريبا للدكتور خالد الطراولي كتاب جديد بعنوان "حــدّث مواطن قــال.." يمكن الحجز بمراسلة هذا العنوان:  kitab_traouli@yahoo.fr

 

مرحبا بكم على موقعنا على النات : اللقاء الإصلاحي الديمقراطي www.liqaa.net

  ***********************


www.liqaa.net

 

امرأتنــا وبنـاء الأنثـى الإنسـان

 

 

د. خــالد الطــراولي

ktraouli@yahoo.fr

 

ـ وبعد أن كنا نتهكم على من تسائل من قبلنا هل للمرأة روح أم لا، ترانا نقول ودون وعي " المرأة عشر عورات، فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة، حتى إذا ماتت ستر القبر العورات الباقية" وكأن لسان الحال يدعو إلى الحياة بدونها لأنها عنوان الموت والعدم. ـ

لم أتخل يوما عن ثابت من ثوابتي ونتيجة وصلت إليها بكل تواضع أثناء تحليقي في سماء هذا التاريخ الطويل العريض وفي أرضه، والذي نحمله بين أضلعنا ولا ينتهي حين فطامنا، أن هذه الحضارة التي بناها يوما أجدادنا بأيد من حديد، فارتفعت وطرقت أبواب الثريا، ثم تخلوا عنها فسقطوا إلى الثرى ولا نزال نسقط معهم إلى سافلين، هذه الحضارة كان وراءها دور فعال نسبيا لكائن جاد، فارتفعت بارتفاعه وفشلت بفشله وسقوطه... ذلك الكائن الحي حين حيت حضارتنا، وذلك الكائن الميت حين دخلت هذه الحضارة القبور وأماكن الرداءة... تلك هي المرأة!

ودون الإبحار كثيرا في هذه التوطئة حتى لا أبخس الجوهر حقه، غير أني أؤكد أن أي ظاهرة إنسانية نعيشها في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأن أي مشروع تنموي أو حضاريي وأن أي برنامج إصلاحي أو خطط نهضوية لن يستطيع النجاح وإثبات مسار تحول لفرد ومجموعة وشعب وأمة، إذا ظل يعتقد أنه بإمكانه الوقوف على رجل واحدة وأن مصير هذه الأطراف مرتبط بكائن واحد إسمه الرجل!

المرأة الإنسان هو الحبل المتين لأي نقلة نوعية وحضارية لمجتمعاتنا، واليوم الذي نصل إلى بناء هذا الكائن الإنسان وتهيئة الظروف المعنوية والمادية لإقلاعه، والاعتراف به كطرف له دوره الفاعل والحازم والضروري في نشأة الحضارات ونكبتها، عندئذ اسمحوا لي أن أقول : قد عرفتَ فالزم!

المرأة بنت وأخت وزوجة وأم، مراحل ومحطات تتعايش وتتشابك، غير أنها ترتكز أساسا على بناء سليم ينطلق منذ اللحظات الأولى لهذا الكائن الصغير وهو يخطو خطواته الأولى في هذا العالم الصغير الذي كثيرا ما رفض قبوله أو عكر عليه صفو وجوده،  من "من كانت له ثلاث بنات يؤدبهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة" قيل: يا رسول الله وإن كان له بنتان؟ قال: "وإن كان له بنتان"، قال: وإن كانت له بنت واحدة؟ قال: "وإن كانت له بنت واحدة" رواه أحمد ، وما نرى أبواب الجنة الثمانية تفتح على مصراعيها رغم أن سلعة الله غالية و سلعة الله الجنة، إلا لأن المهمة كبيرة تقارب أو تماثل أو تتجاوز الشعيرة والطقس، حيث يصبح بناء الفرد الأنثى بناء مدرسة المستقبل وإقامة مجتمع. ويصبح التقرب من البنت الصغيرة والأخذ بيدها طيلة هذا المشوار الضاغط، تقربا من الله ودخول خيمة الرضا والرحمة.

ثم يتواصل هذا المشوار ترغيبا وحنانا وحبا في بناء هذا الكائن بلمسات طيبة ولطيفة ولكنها حازمة " يا فاطمة بنت محمد اعملي فلست أغني لك من الله شيئا " ليصبح هذا الفرد إنسانا مستقلا حرا مبادرا ومسئولا، لا يفيده نسب أو حسب أو قرابة، أو شكل دون محتوى أو حشو دون جوهر، ولكنه كائن فاعل يحمل أوزاره لوحده ويسعى للحراك الإيجابي بين جدران البيت الصغير والكبير...

ثم ترتفع الأسس بهدوء وصلابة ويغدوا المسار سليما واعيا معافى ، ويدخل البيت قبل أن يبرز البناء إلى المجتمع رصينا راشدا  "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن "... وهنا وبعيدا عن منطق الكهوف والدهاليز والغرف المظلمة، تختمر إحدى اللبنات الأساسية لبناء البيت السعيد ومن ورائه المجتمع الصالح...حيث تلتقي الرحمة والسكينة لتلقي بردائها على أركان هذا البناء في موطن شراكة للفعل والنظر. "وجعل بينكم مودة ورحمة" فلم يكن الإطار موضع هيمنة وغلبة وقهر ولكنه تعايش واستلطاف ومنفعة متبادلة. ومن أجمل ما قرأت في هذا الباب تعليق لطيف للشيخ الغزالي رحمه الله حيث يقول:"المجتمع الوضيع هو الذي يفهم الزواج على أنه عقد انتفاع بجسد، أو يعرفه بأنه امتلاك بضع بثمن، أو يراه شركة بين رجل تحول إلى ضابط برتبة مشير، لديه امرأة برتبة خفير! [1]"  فالبيت حلقة في بناء اجتماعي متقن ومحدد، ينطلق أساسا من هذا اللقاء الثنائي والمتعايش على أساس الحب والوئام بعيدا عن منطق الاستبداد والاستفراد، فاستقرار المجتمعات وأمنها من استقرار البيوت ووئامها، وانفراط عقد البيوت مجلبة لانفراط عقد المجتمعات. ولعل هذه العقلية الفردية والاقصائية وثقافة الاستبداد التي تصول وتجول في المشهد العام وخاصة السياسي منه، تجد الكثير من أسبابها على باب هذا البيت الصغير، فكثير من ظلمات الخارج بنيت داخل أسوار البيوت ومن وراء جدرانها السميكة.

 وحتى إذا ارتجت القواعد يوما داخل هذا البيت الصغير وحدث الانفصال لسبب من الأسباب الذاتية أو الموضوعية، فإن البناء الاجتماعي يتواصل بعيدا عن الترميم والتلفيق، وكأن ما حدث لا يزعزع أرجاء البناء الأم وهو بناء المجتمع "ولا تنسوا الفضل بينكم"!...فكانت هذه الكلمات تعبيرا على نهاية مسار زوجي لم يكتب له نجاحه، عاش أزمة تواجد ثنائي، وتواصل مسار آخر أكثر حساسية وأعمق تأثيرا وهو الشأن الاجتماعي، حتى لا يمكّن للقطيعة الثنائية وأزمة الفرد أو الزوج أن تجاوز معتقلها وتنطلق إلى الفضاء الاجتماعي وترجه في أعمق مكوناته. وهنا يتجلى دور الفرد والجماعة في تلاصقهما البنياني وتاثيرهما المتبادل في تمكن المآزق والأزمات أو حصول الفوز والنجاحات.

وتتلاحق المحطات في هذا الدور الإنساني الذي بني على وعي ورشد لتنبثق من أطرافه منظومة بناء حضاري أساسها "النساء شقائق الرجال" وأداته النافذة والجادة والفعالة التي لا تترك مجالا للمزايدة أو العبث بالمصطلحات والمفاهيم، ولتعلن على رؤوس الأشهاد أن المجتمع الناجح الذي يبني الحضارات ولا يسقطها هو المجتمع الذي بتعايش فيه هذان الجنسان في وئام، وفي ظل حراك مدني يبني على الصلاح وترك الخبيث، "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.." ولم ينحسر هذا النداء وهذه الحقيقة الربانية داخل البيوت فقط، ولم يربطها بجنس، بل جعل سعة فضاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتجاوز هذه الجدران الضيقة، على أهميتها، ليلامس بانضباط وتوجيهات كل الظاهرة الإنسانية في امتدادها، من سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي.

ليست هذه قصة ألف ليلة وليلة، وليس ما أوردناه، هو من غث أو سمين كتاب الأغاني، وليست هذه مثالية خطاب تنظيري لا يعدو أن يسقط في أول امتحان وطرق على الأبواب، ولكنها شذرات مواقف بعد أن كانت كلمات، وممارسات شهدها واقعنا، بعد أن كانت تتلى في المحراب، وانظروا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في بيته وانظروا إليه وهو يخاطب النساء نصحا وأمانة، ثم تقربوا إليه أكثر وأنصتوا وهو يقول عليه السلام في آخر خطبة وكأنه اطلع الغيب وهو منه براء : أوصيكم بالنساء خيرا...

 ولذلك بنيت حضارتنا يوما على تعايش الجنسين في البناء، في ظل منظومة أخلاقية وقيمية حازمة، ثم انفلت العقد وسقطت حباته الذهبية وتمرغت بالتراب لتصبح دون شعاع ولا إشعاع، ودخلت المرأة السراديب، وأغلقت عليها الأبواب وتمترس أصحاب الغلو وراء انتقاتهم الفقهية المسقطة! وبعد أن كنا نتهكم على من تسائل من قبلنا هل للمرأة روح أم لا، ترانا نقول ودون وعي " المرأة عشر عورات، فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة، حتى إذا ماتت ستر القبر العورات الباقية" وكأن لسان الحال يدعو إلى الحياة بدونها لأنها عنوان الموت والعدم. واليوم الذي نعلن فيه أنسنة المرأة في ثقافتنا وتشكل عقلياتنا، تسقط عديد القضايا المشبوهة والمفتعلة ويسقط معها فقه مغشوش وآليات فكر وتفكير مهزوزة، ونكون قد وضعنا حجر الأساس لانطلاقة صادقة وناجعة وسليمة لعالمية إسلامية ثانية وواعدة ومستديمة.

20 أفريل 2008

هـــوامش

[1] محمد الغزالي "قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة". دار الشروق. ط السادسة. 1996 القاهرة.  ص: 37.

ملاحظـة  : يصدر قريبا للدكتور خالد الطراولي كتاب جديد بعنوان "حــدّث مواطن قــال.." يمكن الحجز  بمراسلة هذا العنوان:

  kitab_traouli@yahoo.fr

 

مرحبا بكم على موقعنا على النات : اللقاء الإصلاحي الديمقراطي

 

 www.liqaa.net


Publicité
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article