لا تندهي ما في حدا فقد تأسرلنا
محمود جلبوط*
من المؤسف أن نقر أننا قد ألفنا مشاهد المجازر الصهيونية، أو بمعنى آخر لم تعد تهز مشاعرنا ولا أعصابنا، ولم تعد تبكينا مشاهد أشلاء اللحم البشري المتناثر والمحروق والمقطع لأشلاء أطفال أم عجائز أم شباب أم نساء أو رضع، ولم نعد نستطيع صراخا بصوتنا العالي، فصوتنا قد بح كثر ما صرخنا ضد مجازر ارتكبت بحقنا من أنظمتنا قبل عدونا، ولنعلن أننا تخلينا من زمن بعيد عن صفة تهور النزول إلى الشارع تظاهرا لألا يؤدي إلى استفزاز السلطات الأمنية العربية على مساحات شرقنا المتوسط فتعتقلنا، فشعوبنا قد اكتفت بالتجمع والتظاهر لصالح هذا الفريق الرياضي أو ذاك أو لصالح مطرب أو مطربة ما مع احترامنا لكل مطربينا ومطرباتنا، وطبعا ولا بد من ذكر أننا ومنذ زمن قد استقلنا كيسار من المقاومة، لصالح ما يسمون القوى الإرهابية.
لماذا كان هذا؟
لأننا تأسرلنا !! نعم تأسرلنا...ولكن ليس بالمعنى الذي يقصده البعض من المعارضة العربية القريبة من ساحة الجريمة، لبنان وسوريا ومصر وفلسطين، أي ليس بالمعنى الذي ذهب إليه معارضو الجوار الفلسطيني بأن قضية الصراع العربي الصهيوني قد استهلكتهم وسيطرت على كل نشاطاتهم السياسية والفكرية والمعاشية فأهملوا بالتالي النضال من أجل أمن مواطنيهم ولقمة مواطنيهم وحدث هذا على حساب برامجهم في التغيير الديموقراطي وإسقاط أنظمتهم الديكتاتورية، وكفاهم ما بذلوه من أجل فلسطين والفلسطينيين فإن مكوناتهم تحتاج من نضالهم ولو قليلا.
الأسرلة التي نقصد هي بالمعنى الذي أدى لهذه الحالة التي قد وصلنا إليها من الرداءة في جوار المذبحة وساحة الجريمة، إن في فلسطين أو لبنان أو العراق، ولا نقصد بالطبع التردي في حالة الأنظمة العربية وردود أفعالها ومواقفها من الجريمة، لأنه لشيء ممل وممجوج التكرار والإعادة بأن هذه الأنظمة بتركيبتها الاجتماعية والطبقية وتوجهاتها السياسية هي مع العدو أو لنقل في خدمة العدو، فهي جزء من قواه وأدواته التي يدخلها في حساباته (ونعني بالعدو الامبريالية العالمية والربيبة إسرائيل وليس القادم من الشرق الشيعي ولا تحت مسميات أخرى كصليبي أو هندوسي أو كافر)، عندما يقررون حملاتهم العسكرية لارتكاب المجزرة، إن كان في حق سكان القطر هذا أو ذاك، أو في حق سكان وتجمعات مسرح الجريمة فلسطين، بل أحيانا يوسع مسرح الجريمة ليشمل المياه الإقليمية السورية واللبنانية والمصرية والخليجية وهكذا دواليك..ما نقصد بحالة الرداءة والأسرلة هو ما يجري بالضبط في صفوف المعارضة لهذه الأنظمة وخاصة في صفوف ما يسمى يسار عربي، لا فرق إن كان سوري أو لبناني أو عراقي أو..أو..إلخ.
ما قصدنا مما سبق، أن دعاوى أطراف من المعارضات العربية في الفترة الأخيرة وخاصة بعد الغزو العسكري الأمريكي المباشر على المنطقة في الانكفاء على الذات القطرية، بل على المكونات-العبارة التي كثر استخدامها بعد الغزو الأمريكي للمنطقة وامتد استخدامها إلى لبنان وفي الفترة الأخيرة إلى سوريا والتي تعني فيما تعنيه :الدينية-المذهبية -الإثنية -الطائفية، والتنظير بأن العدو قادم للمنطقة من الشرق، وأن الخطر النووي الذي يتهدد المنطقة ليس القوة النووية الصهيونية أو الأمريكية بل إيران النووية المحتملة. إن هذا لهو النتيجة الجوهرية والأساسية للأسرلة. الأسرلة هي في أن نتخلى عن مهامنا في مواجهة استباحة كل شيء في حياتنا من قبل الامبريالية والصهيونية، ليس فقط الأرض الوطنية وثرواتنا وأمننا وكرامتنا، بل حياتنا كبشر وحياة أطفالنا، ومستقبلنا كشعوب فيها، والمواجهة لا تكون بأن نستكين ونتبع سياسة واقعية جدا وحكيمة تسعى للانخراط في صفوف القوى التي توظفها الإدارة الأمريكية لخدمة أجنداتها أو من المحتمل أن تكون تحت دعاوى التخلي عن سياساتنا الخشبية السابقة، والتخلص من شعارات أكل الدهر عليها وشرب أو سقطت مع سقوط جدار برلين أو انهارت مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وتمزيق كل الأفكار والأيديولجيات عدا نظرية نهاية العالم عند أمريكا وأمريكا هي العالم والعولمة القادمة، وأن نكون ديموقراطيين حاف دون انحياز اجتماعي أو وطني، وعلينا أن ننفك ونتحول عن انتمائاتنا الطبقية والاجتماعية في بعدها القطري أو الإقليمي أو العالمي لصالح الانخراط في مكون من-مكونات- هذا الشعب إن في سوريا أو لبنان أو العراق، وإن اضطررنا للتضامن مع بعضنا فلنتضامن على أساس هذه المكونات، وليس على أساس الطبقات التي ملّ هذا الطرف من تردادها وقرف من سماع سيرتها كما يدعي، فبالتالي علينا جميعا انتهاج سياسات واقعية تشبه تماما سياسات الأنظمة الواقعية التي كانت في كل المجازر واستباحة المخيمات في خدمة أهداف ومصالح الاحتكار العالمي وإسرائيل.
كنا نتمنا لو أتت البارجات الأمريكية التي تمخر بحارنا بالأمس لتحاصر قوى يسار قد استنفرت قواها في سوريا ولبنان لأنها تفكر بمؤازرة الفلسطينيين ردا على ما تقترف إسرائيل من مجازر بحق أطفالنا، وكنا نتمنى لو أن يسارنا ينهض من كبوته في ظل ما يجري من سعار للقوى الامبريالية والصهيونية على منطقتنا فيدعو للثورة والمقاومة، يصيغ برنامجا موحدا عريضا يقود كل فصائل المقاومة في المنطقة ذات المصلحة الواحدة، كما في أمريكا اللاتينية والجنوبية، في مواجهة هذا السعار الامبريالي القادم إلينا لذبحنا وتصفيتنا كشعوب وتحويلنا إلى مكونات وفقط مكونات: سنة، شيعة، دروز، علويين، موارنة، أزديين، فيليين، أرثوزكس، كاثوليك، آشوريين، سريان، أرمن، آراميين، وعذرا من اللذين لم نذكر مكونهم بسبب جهلنا به وقلة ثقافتنا.
* givara1954@yahoo.de