Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

Recherche

26 janvier 2011 3 26 /01 /janvier /2011 10:53

  

* * *  

Sans-titre.jpg

تونس....الآن في خطر!!!

هل العسكر...إلى القصر 

فلتمان وبن عمار

عادل سمارة

 

لقد حذرت كنعان وخاصة الرفيق احمد حسين وأنا نفسي، مرات عدة من دور الجيش التونسي تجاه الثورة. فالثورة التي بدأت شعبية عادية قادتها قطاعات لا أحزاب، وهذا ليس أمر بسيطا، فالقطاعات تعبر عن الطبقات مباشرة أكثر من الأحزاب ولا سيما في فترات التجويف والتجريف اللذين قادا إلى فراغ من القوى السياسية القائدة وإلى إفقار عام نجمت عنه بطالةعالية ناهيك عن تجريف الحريات.

قبيل هروب الديكتاتور بيوم واحد اتصلت الولايات المتحدة مع قائد الجيش كي يتحرك لإنقاذ بن علي. هذا ما قالته الجزيرة. ولكن من يدري؟ لماذا لا تقول الولايات المتحدة لقائد الجيش أطردوا الرئيس واستلموا السلطة؟ الأيام وحدها ستكشف عن الحقيقة.

ليس الجيش قوة موثوقة في المستوى السياسي الشعبي تحديداً. الجيوش العربية غالبا بعقيدة حماية الحاكم.

لماذا في أتون الثورة تُفتح الخطوط مع العدو الغربي؟  أليس لأن هناك خطوطاً دوماً؟

 

وصول فلتمان وتصريح بن عمار

 

بالمس كان فيلتمان يقوم بتخريب سياسي وقح في لبنان مع فريق 14 آذار! واليوم ها هو في تونس. أليس الطبيعي أن يهرب فيلتمان من تونس كثورة!!!

تحدث بن عمار للمتظاهرين حديثاً في منتهى الخطورة، وإن حاول الإعلام الأخطر (إعلام الجزيرة) عدم تحليله. حذر بن عمار من خطورة "الفوضى" ونصح بقبول حكومة أتباع بن علي لستة اشهر!

هل السر كامن هنا؟

كأن بن عمار يقول: إن الجيش مع الحكومة الحالية لستة اشهر.وكأنه يقول إذا لم تفعلوا، فسيقف الجيش ضدكم.

هذا يعني أن الجيش مع الحكومة الحالية اي أن الجيش امتدادا للنظام السابق مع بعض التحسينات.

في نفس اليوم جاء فلتمان إلى تونسّ!

ولا شك انه اتى بتنسيق مع الحكومة! اليس غريباً أن يحصل هذا في لحظات الصعود الثوري الشعبي؟ اليس الطبيعي أن يهرب فلتمان لو كان في تونس؟ أليس خطيراً أن يخرج بن علي ويدخل فلتمان؟

ليس غريباً أن يحاول فلتمان دخول تونس، فبلاده تدخل في كل مكان لأن اصابعها وسلاحها وقتلها في كل مكان. ولكن لماذا تستقبله الحكومة الحالية؟ الا يعني انها تقول للناس:

·         الجيش معي

·         والوحش معي فالزموا الصمت.

مجيء فلتمان ليس من باب علاقات دول، وبراجماتية كما يصفها بعض أدعياء القومية المتصهينين. مجيء فلتمان منذ الإعلان عنه: هو خصي نفسي للثورة، بمعنى أنه يقول: لن تصلوا بثورتكم بأبعد مما نسمح!!!

من هنا ندخل المفصل الثالث والأساسي للثورة. لن يُسمح للثورة الشعبية غير المسلحة بالبارود أن تُسقط نظاماً بارودياً. كلنا يتمنى للثورة أن تتواصل كما هي. ولكن أعدائها لن يسمحوا.

اليوم اختبار الجيش. هل مختلف الضباط مع بن عمار؟

هل يكفي القول أن الجيش غاضب لأن بن علي اعتمد على الأجهزة الأمنية 130 ألفا مقابل 35 الف جندي؟

أليس هذا تحليلا ساذجاً. اي ديكتاتور كان سيفعل هكذا في تونس لأنها ليست دولة منازعات قوية مع جيرانها. لا بل إن وجود جيوش الدول القطرية غير المجاورة للكيان الصهيوني أو لأطراف الوطن الكبير هذه الجيوش يجب أن تكون صغيرة
وإذا كانت قيادة الجيش غاضبة من بن علي لإهمالها، فهذا يعني أنها قد تلتقط الفرصة لتحكم!!! ودائما سحق الشعب بقوى الأمن اسهل واقل كلفة من سحقها بالجيش وإبقاءه الملاذ الأخير للحاكم.

طالما الشعب في الشوارع، فلماذا لا تقول اميركل للجيش لا تضيعوا الفرصة، تحركوا، وسنمد لكم جسرا كالتي نمدها دوما للكيان.

لن تسمح الولايات المتحدة ببساطة بانتصار عربي. ولكي يُصان هذا الانتصار، فإن أمام تونس مشوار طويل بدأ الآن وليس يوم سقوط بن علي. ما حصل هو طرد الديكتاتور والآن مطلوب حماية الثورة.

هذه لحظة السباق على تونس بين الشعب الذي عليه توسيع نطاق عمله بالإضراب العام والعصيان المدني لقطع الطريق على الانقلاب

وبين الجيش الذي قد ينقلب إلى جيش انقلابي.

لقد تحسنت صورة الجيش مؤخراً وهذا مخيف لأنه يمهد للجيش الزعم بإنقاذ البلاد من الفوضى.

لذلك يجب أن يكون الشعار الآن:

·         حكومة الحماية الشعبية أو اي اسم آخر لتوازي وتُسقط حكومة امتداد العهد القاتل.

·         ألقوا القبض على الصهيوني مبعوث تل أبيب وواشنطن وباريس...

·         احتلال الشوارع سلميا، وفي حالة عدم الاستجابة أن يتواصل احتلال الشوارع.

·          كل قطاع يحمي قطاعه: المدارس والجامعات للإضراب.

·         العمال للإضراب واحتلال المصانع.

·         لا اشتباك مع الجيش إلا إذا قتل.

·          النساء والرجال للعصيان المدني.

·         القوى السياسية تتوجه إلى خلايا الجيش لتفكيك عزيمة من يخططون للانقلاب.

·         هذه جميعا هي مقومات حكومة الحماية الشعبية التي ستعيد للقوى الجذرية من القوميين والإسلاميين والشيوعيين دورها في خدمة اللحظة في خدمة الثورة. وهذا وحده ما يحول دون حصول الانقلاب.

( *** )

لقد تحوّل الصديق القديم إلى مشكلة جديدة

ساركوزي وزين العابدين بن علي

محمود جلبوط

 

إن سقوط الدكتاتور في تونس أوقع الحكومة الفرنسية في مأزق , فمنذ ما يزيد عن العشرين سنة من حكم بن علي بل ومن قبل أن يستولي على السلطة من خلال موقعه كمسؤول أمني عام للجهاز الأمني التونسي أيام حكم بورقيبة وهي تحتفل به على أنه الصديق المقرب , بل لقد احتفت به وحبته على أنه الحليف القريب جدا والمخلص في شراكتهما بنهب الشعب العربي في تونس والمشاركة في تصفية حركات المعارضة فيها تحت شعار محاربة الإرهاب. أما اليوم وبعد سقوط الدكتاتور يشعر الرئيس الفرنسي ساركوزي بالخجل من كل عبارات التقريظ والمديح التي كالها طوال مدة رئاسته في شخص حليفه , وأصبح من المفروض عليه وحكومته إعادة النظر في سياسة فرنسا ليس بالنسبة مع تونس وحدها بل مع كل منطقة شمال أفريقيا جنوب البحر المتوسط.

حاولت وزيرة الخارجية الفرنسية التعبير عن خيبتها وخيبة حكومتها  الاستعمارية بسبب التصريحات التي عبرت من خلالها عن توجهات حكومتها أثناء الانتفاضة التونسية من خلال تفسيرات أو توضيحات لاحقة لوظف من موظفي وزارتها بأنه "قد أسيء فهمها " أو أن الصحفيين قد ذهبوا بتصريحاتها بعيدا عن مقاصدها " (كما حدث مؤخرا أثناء زيارتها لفلسطين ولقائها مع عائلة الجندي الصهيوني الأسير الغني عن التعريف شاليط وتصريحاتها العنصرية وما جرى لها من استقبال يليق بها وأمثالها من المسؤولين الأوربيين بصرامي أهالي الأسرى الفلسطينيين) , لتعبر عن أسف خجول ومقتضب أمام البرلمان الفرنسي  لسقوط الضحايا التونسيين الأبرياء برصاص عناصر الأمن أثناء الانتفاضة , هذا الأسف لم يكن منبعه وقفة مع الذات بل كان الدافع لهذا الأسف المتواضع أن ممثلي المعارضة في البرلمان الفرنسي قد استجوبوها حول التطورات الأخيرة.

لم تتوقف فجاجة موقف الإدارة الباريسية بدعم وكلائها في تونس عند هذا الحد , فقد صرحت وزيرة الدفاع الفرنسية أمام الهيئة النيابية الباريسية , وفي خضم الانتفاضة التونسية ضد نظام زين العابدين بن علي وأثناء ما كانت قوات أمنه تريق دم الشباب التونسي الزكي على أرصفة الشوارع , "بأن فرنسا , المعروفة على مستوى العالم بالتزامها بحماية حلفائها , تعرف كيف ومتى ترسل قواتها الأمنية إلى تونس لتدعم حليفها هناك".

إن العروض المريبة هذه لم تثر غضب المعارضة الفرنسية وحسب بل امتدت إلى بعض أعضاء الحكومة الفرنسية الذين رؤوا أن الوزيرة قد تمادت في تحريضها على العنف وأنها " مصابة بلوثة من جنون" كما نقلت الصحافة على لسان رئيس الوزراء الفرنسي , وألحق هذا بعد ذلك بتعليق غاضب للرئيس الفرنسي بأن " تصريحات كهذه تضعف الموقف الفرنسي في العالم وتسيء إلى سمعتها " فهل حقا أن تشويه سمعة فرنسا تتوقف على تصريحات الوزيرة الفرنسية؟ أم أن القضية تتعلق بسلوكها وممارستها الاستعمارية السيئة , ليس لدى الشعب العربي وحسب ولا بسبب ماضيها الأسود فيه فترة استعمارها العسكري المباشر له وتآمرها في حينه مع حليفتها بريطانيا على تقسيمه إلى كولونياليات عميلة ليتحكموا لاحقا  بمصائر البلاد والعباد , بل لدى شعوب العالم الأخرى , والنقمة على فرنسا ناتجة عن سياستها الاستعمارية الحاضرة والتي يعبر عنها بجلاء انخراطها في حروب الحلف الأطلسي والاضطلاع بالأدوار الموكلة إليها من قبل زعيمة " العالم الحر" وزعيمة الحلف أمريكا , ومن خلال الجرائم والمؤامرات التي تقترفها قواتها العسكرية والأمنية ضد الشعوب في أفريقيا وآسيا: في أفغانستان ولبنان وفلسطين كأمثلة حاضرة.

خديعة أن تونس "حصن ضد الإرهاب" وأنها أيقونة مقدمة لأفرقيا والوطن العربي " كأعجوبة اقتصادية" ليحتذو بها , وأي احتذاء هذا الذي يجري تحت عباءة التطبيع مع الاستعمار والصهيونية. 

تخفي الإدارة الفرنسية الاستعمارية إستراتيجيتها في المغرب العربي والبلاد الأفريقية الأخرى للهيمنة على مقدراتها بدعم وكلائها فيها ومن ضمنها نظام بن علي المخلوع بالخديعة المشروخة بالمساعدة على " الحرب على الإرهاب" والتي هي في الحقيقة دعوة لا يتعدى دورها كما نوهنا في مقالات عديدة سابقة التضليل والتبرير لحروبهم من أجل نهب الوطن وثرواته ولتحطيم أي مقومات محلية وطنية لبناء القوة الذاتية لانجاز الاستقلال وحمايته وإقامة دولة الوحدة على الأقل في المغرب العربي على تخوم حدودهم الجنوبية من البحر المتوسط.

تقول الإدارة الفرنسية أن نظام بن علي هو حصن قد نجح في منع تمدد " الإرهاب" ويعنون بذلك الإسلام الجهادي , وقد عملوا بشكل مكثف لتصبح تونس أيقونة اقتصادية يحتذى بها في أفريقيا عامة وفي الوطن العربي بشكل خاص كما ادّعى مدير البنك الدولي , وما أدراك ما البنك الدولي , ليتغنى بعد ذلك مسؤول رابطة الدول الفرنكوفونية من طرفه أيضا بهذه الأيقونة التونسية: " إن الأمم التي تتحصل على اقتصاد متين يسودها استقرار سياسي ".

لقد أخطأت الإدارة الفرنسية بشكل مريع في تقدير الحالة الواقعية لوضع بلد كان تحت سيطرتها الاستعمارية المباشرة حتى عام 1956 , فقد شعرت , وبعد سقوط وكيلها بن علي هناك , بل أدركت , أنه قد بات وضع وكلائها الآخرين في بقية الكولونياليات المغاربية منصة اختبار وانتظار. فبعد انتهاء فترة "التأسف على القتلى الأبرياء" الذين سقطوا فى شوارع تونس أتاها زمن الصحوة ولعبة الأفكار لاختيار خط مغاير عن خط  مسيرة السياسة السابقة التي انتهجتها إلى الآن , وبعبارات أخرى , وكما عبر كرستيان بوكيت الخبير في الشؤون الأفريقية والمحاضر في جامعة بوردو الفرنسية عن موقف سياسة حكومته ما بعد الانتفاضة التونسية بأن فرنسا الآن " قد وضعت غيار عربتها على وضعية المسير إلى الوراء ".

قد نبا فزع شديد لدى الإدارة الفرنسية من أن تمارس الانتفاضة التونسية في الوطن العربي عامة والمغرب العربي خاصة دور الدينامو إن انتقلت عدواها إلى جيرانها مما سيزعزع "استقرارا" بذلت جلّ جهدها مع حليفائها الغربيين و المحليين إلى جانب الجهود المبذولة من قبل الموساد "الإسرائيلي" طبعا للكشف المسبق عن أي "مؤامرة" داخلية لقلب الأنظمة فيه  (لقد قدمت الأجهزة الأمنية في الكيان الصهيوني أكثر من مرة ولأكثر من نظام عربي خدمات جليلة في هذا المجال وعلى مدار فترة زمنية طويلة مما كشف عن تنسيق أمني مشترك مع العديد من الأنظمة العربية والأمن " الإسرائيلي" فالأمر ليس جديدا ولا يقتصر على سلطة أوسلو في فلسطين).

لقد أخذت الأصوات المعارضة لسياسة الحكومة الفرنسية في فرنسا تتعالى حتى من قبل أعضاء من حزبها الحاكم فتدعو إلى تغيير السياسة الرسمية اتجاه ما يجري في تونس والنأي عن المراهنة على حصان خاسر , فالدكتاتور ساقط لا محال , وعلى هذا فقد دعت وزيرة العدل الفرنسية السابقة ذي الأصول المغربية أن على حكومتها أن " تراعي الروابط الحميمية مع شعوب المنطقة هناك وعلاقاتها المتينة مع دولها " و " ألاّ تسمح لنفسها أن تتخذ مواقف ستؤثر مستقبلا على مردودية سياسة " مكافحة الهجرة والإرهاب".

ليس من السهولة على المرء تصديق ما أظهرته الإدارة الفرنسية من تغيير لمسار توجهاتها الأيديولوجية التي أظهرتها بتعاملها السياسي بعد النهاية المرة التي طالت حليفها ووكيلها في الحكم في تونس , كيف تنكرت له وأدارت له ظهرها وقلبت له ظهر المجن ورفضت حتى السماح لطائرته بالهبوط على أراضيها باعتباره رجلا غير مرغوب فيه , هذا الغير مرغوب فيه الذي كان قبل أيام قليلة رئيسا لمدة طويلة ويخطط أن يكون رئيسا مدى الحياة وصف ساركوزي حكمه في إحدى زياراته لتونس 2008  بأنه " حكم ديموقراطي ناضج وعظيم " وبأن تونس في عهده تعتبر " واحة من الديموقراطية الأعظم في العصر الحديث " فهل من متعظ.          

( *** )

 

في الأنموذج التونسي... غابت النخب فقادها أبو القاسم!

عبداللطيف مهنا

 

قبل عقود خلت، طرح الشاعر أبو القاسم الشابي برنامجه الوطني والقومي على شعبه وأمته... طرحه ورحل مسرعاً عن دار الدنيا إلى دار البقاء، غادر وهو لم يزل بعد في ريعان شبابه الذي لم يطل. كان قد أوجز كافة بنود هذا البرنامج، المبادئ والمنطلقات، المهام والأهداف، ومن ثم محتوم النتائج الموعودة... طرحها كلها في بيت شعر واحد:

 

إذا الشعب يوماً أراد الحياة       فلابد أن يستجيب القدر

 

وهذا الشعب... في هذه الأيام التونسية الخالدة، في انتفاضته المفاجئة للجميع، الأعداءً والأصدقاءً وحتى منتفضيه، والتي هي ثورة شعبية حقيقية، يعود امتياز حق احتكار ملكيتها كاملاً لمنتفضيها وحدهم، والتي لها خصوصيتها وجغرافيتها وتداعياتها وفرادتها التي انفرد وحده بها... هذا الشعب يستعيد شاعره أبو القاسم مرة أخرى، ويستقدمه إلى دار الدنيا ليتوجه قائداً أوحداً وملهماً خالداً، بعد أن طبق برنامجه كاملاً بامتياز، بنداً بنداً وخطوة خطوة وقطرة دم تلو الأخرى... سار خلفه من سيدي أبو زيد وحتى قضبان وزارة الداخلية في تونس العاصمة... سار خلفه وحده حيث لا من قائد لثورته الشعبية هذه حتى استجاب له القدر، تماماً كما كان قد وعده شاعره ذات يوم قبل رحيله...

إذن، ليتوقف المحللون والمفسرون والمجادلون... وليكف المزيفون والانتهازيون وصانعو الاشاعات،  ولتختف عصابات الثورة المضادة وتتوارى فلول النظام الزائل، وتذهب رموزه الباقية المغيرة الآن جلدها لا جوهوها، وليرعو الملتفون السارقون للوهج التونسي داخلاً والمتآمرون عليه المخادعون خارجاً.

كان بيت أبو القاسم البرنامج هو وحده ما سواه ما قد اختصر كافة الأسباب الكامنة وراء هذا البركان التونسي الكانس للديكتاتورية، وضمانة استمرار زخمه، وحتى انجاز آخر بند في بنوده والتي لاعودة عن تحقيقها... لم يكن الرغيف وحده، كما يحاول البعض الاقتصار عليه مفسراً، ولا للانفكاك من قبضة قهر الاستبداد الشنيع الذي طال لعقود حالكة السواد، كما يحاول البعض محللاً والبعض معترفاً مكرهاً... وإنما كان أولاً وأخيراً إعلان حاسم عن إرادة حياة... عن حياة، هي الرغيف والانعتاق والكرامة والتقدم والمستقبل، ولتضف من عندك ما شئت...

وعليه، فليتوقف المحللون والمفسرون... أبو قاسم الشابي هو وحده من قاد هذه الثورة الشعبية الظافرة، لأن النخب قد غابت عنها أو غيّبت، لأن الاستبداد إما بددها في المنافي أو غيّبها في السجون، أو دجّنها وطوّعها واستخدم المُدجّن والمطواع ومؤثر السلامة منها أتراساً بائسة في آلة قمعه واستبداده الشرهة، أو أبواقاً مأجورة نابحةً، أو متكيفة تسبح بحمد شمائله الرهيبة... لم يكن هناك أحزاب فاعلة تلتقط اللحظة وتتقدم المسيرة الجارفة لأنها قد جرى لها ما جرى للنخبة. إما حُذرت أو حُذر الفاعل ذو القواعد الشعبية منها، أو حجّمت لتبقى مجرد عناوين معزولة عن شارعها ولا حول أو تأثير لها، أو هي دجّنت لتصنع منها الديكورات المطلوبة لتزيين الاستبداد وتزويقه وشرعنته. وما لم يحجم أو يدجّن منها، فعليه أن يختار، إما المنافي أو السجون وما بينهما المقابر... لذا، ولأول مرة، وهنا تأتي الفرادة التونسية، قاد الشعب نفسه بنفسه وثار مضحياً وانتصر بدون قيادة أو طليعة فوجد أبو القاسم مكانه في غرفة العمليات الثورية، إذ ناب عنه بيته الخالد... أما النخب والأحزاب والكفاءات المغيبة لأمد فلحقت لاهثة بالركب... قاد الشعب التونسي نخبه وأحزابه وكفاءاته، وقال للدنيا: كذب المنظّرون ولو صدقوا...

إنما هي كانت انتفاضة ثورية فريدة ولها خصوصيتها... ثورة شعبية كاملة الأوصاف... هبة حضارية فريدة لها دلالاتها التي لم ولن تطفئ نورها المنبلج الأفواه الطوفانية الضجيج لإعلام غربي وامتداداته أو أصدائه العربية، ينضح خبثاً ويجتر تشكيكاً ويوالي تشويهاً وتضليلاً. وكانت كل هذا ولها ما بعدها ولها معانيها الخطيرة بالنسبة لاعدائها، والتي سوف يلهث وراء ما عنته المحللون والمتآمرون... أولها، أن هذه الأمة، بالعربية الفصحى والتونسية الدارجة، ليست عاقراً ولاهي استمرأت استكانةً أو قبلت خضوعاً أو ارنضت خنوعاً، وإن بدى بعض هذا منها لغير مدقق متعمق فهو إلى حين. وهي كما لم تسلم بسلام أعدائها فهي لم تسلم بتأبيد وكلائهم المستبدين المُطبقين على أنفاسها والعابثين بكرامتها... التونسيون أعلنوا نيابة عن العرب جميعاً بأن الأمة بدأت تفيق من غيبوبة فرضوها عليها... تبنّت، ابتداءاً من تونس، برنامج أبو القاسم الشابي ولا عودة عن تحقيق كامل بنوده... إذن، لا مناص من أن يستجيب لها القدر...

... هي كانت فعلاً حضارياً مميزاً وغير مسبوق قبلها... ما يقارب المائة شهيد ومئات الجرحى، ولم يُخدش شرطي واحد... والنتائج كانت لدى الجميع أعداءً وأصدقاءً ومنتفضين غير متوقعة... لكنما علينا أن لا نغفل ما لا يُغفل، وننتبه إلى المتوقع، وهو أن الغرب المنافق المعادي، الذي يهب لنجدة حوت جانح على شواطئ ألاسكا أو أستراليا، ولا يكف عن رفع سوط إنسانيته الإنتقائية، وقميص ضحايا أحداث ساحة تيان آن مين في وجه صعود التنين الصيني، والذي استفاض في هجاء الدب الروسي في أوسيتيا أو تأديبه للثعلب الجورجي، هو ذاته الذي دمر العراق وطحن أفغانستان، ويذبح الفلسطينيين على مدار قرن، ويرعى منذ أن عرفناه كافة سوءات النظام العربي الرسمي... هذا الغرب الصامت ثم المنافق، هو كان الداعم بلا حدود للعهد التونسي البائد، وهو اليوم المعادي للعظم للأنموذج التونسي المذهل، وهو لن يسلم بخسارته في تونس وماقد يتبع فيما قد يستهدي بالانموذج التونسي من مواقع أخرى مرشحة في بلاد العرب، كما لن يتخلى عن الملتفين على إرادة الحياة التونسية أو ما قد يأتي من ارادات مثيلة تلحق... فهو إن تخلى عن أدواته كعادته، وكان منه للديكتاتور التونسي تماماً ما كان منه للطاووس الإيراني، فهو انما تخلى عنها لأنه من طبيعته أنه لا يتخلى عن مصالحه، ولا يضحي بها لحماية الساقطين من حماتها البائدين ويحاول صناعة من يخلفهم... وعليه حذار، حذار، فهم سيواجهون احتمالاتنا الثورية بمكائد ثوراتهم المضادة، فهم لا يريدون في تونس أو سواها حجراً أولاً يؤذن ببدء متواليه تتبعه في التهاوي في سلسلة أحجار الدومينو العربية الحبلى باحتمالاتها...

العرب التونسيون... العرب... يواصلون خيار البرهنة على إرادة الحياة، كتلة الأمة تفيق من غيبوبتها وليس من قوة قادرة بعد اليوم على أن تعيد المارد المنفلت من آساره القهرية إلى بائد القمقم الذي هشمه فقراء سيدي أبو زيد.

 

Partager cet article

Repost 0

commentaires

Articles Récents

Liens