اللاجئون العراقيون – فضيحة العصر
معقل زهور عدي
من أجل تخليص البشرية من خطر أسلحة التدمير الشامل المزعومة غزت الولايات المتحدة العراق فقتلت منه من المدنيين أكثر مما قتلت القنابل الذرية التي القتها على هيروشيما وناغازاكي بعدة أضعاف ، ومن أجل تخليص العراق من الدكتاتورية وانتهاكات حقوق الانسان دخل السجون العراقية بعد الاحتلال الأمريكي مئات الآلاف ، وبقي منهم حتى الآن عشرات الألوف وشاهدنا بعض النماذج التي تسربت للتعذيب في سجن أبو غريب تنافس التعذيب في سجون أعتى الديكتاتوريات وأسوأها ، اما المقابر الجماعية التي لم يتعب كثيرون من الحديث عنها ( ويدهش المرء لماذا لم تأت لجان مختصة من ال F.B.I او ال C.I.A. او سكوتلاند يارد لتوثيقها واصدار تقارير مهنية عنها) فلم تحتج اليها الميليشيات الطائفية اذ اكتفت بقتل الناس بالمثقب الكهربائي ورميهم بالمئات كل يوم على قارعة الطرقات .
لكن أكثر الانجازات وحشية للحملة الأمريكية لنشر الديمقراطية كان التطهير العرقي الذي تم بمعرفة وتواطؤ سلطة الاحتلال ونتج عنه طرد عدة ملايين من العراقيين من بيوتهم ومدنهم مما لم يحصل مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية ، ولايمكن مقارنته من حيث الحجم بما حدث في البوسنة والهرسك ، هناك يجري الحديث عن مئات الألوف بينما في حالة العراق فالحد الأدنى المقدر حوالي ثلاثة ملايين نسمة (مليون ونصف في سورية ومليون ومئة ألف في الأردن والباقي موزع على دول العالم).
وللأسف حتى اليوم لا تتم مقاربة هذه المأساة بما تستحقه من اهتمام ، في البداية تم التعامل معها كظاهرة مؤقتة ، ومن منظور انساني في افضل الأحوال ، لكن الأمر الذي اتضح اليوم ان المسألة ليست مسألة لجوء مؤقت هربا من حالة انفلات امني ، والا لماذا لم يرجع معظم اللاجئين حتى الآن ما دام الوضع الأمني في العراق قد تحسن و(أصبحت بغداد أكثر أمنا من أي وقت منذ سقوط نظام صدام ) حسب مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي !
ما الذي يمنع اليوم ملايين العراقيين من العودة الى بيوتهم ومدنهم ؟
المسألة اذن ليست مسألة لجوء مؤقت هربا من وضع أمني طارىء ، بقدر ما هي عملية تطهير عرقي منظمة باشراف الراعي الأمريكي ومباركته .
نشرت مجلة الشؤون الخارجية التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (FOREIGN AFFAIRS ) دراسة مسهبة في حزيران – 2008 حول حملة الرئيس بوش التي قادها منذ مطلع 2007 لاستعادة السيطرة على بغداد و(قسم ظهر المقاومة العراقية) والتي كان أبرز ما فيها زيادة عدد القوات الأمريكية في بغداد بمقدار 21500 مقاتل ( أربع فرق عسكرية كاملة ) ، وتهدف تلك الدراسة لالقاء الضوء على نقائص تلك الحملة وتداعياتها السلبية ، حيث تنظر الدراسة لتلك الحملة كاجراء تكتيكي لا يفتح الباب امام ايجاد وضع سياسي مستقر بالعراق رغم نجاحاته المؤقتة .
ما يهمني هنا هو ما اوردته الدراسة في معرض تحليلها للعوامل التي ادت لحصد تلك (النجاحات) والمتمثلة في ( كبح المقاومة العراقية ، خفض مستوى العنف ، خفض الخسائر البشرية لدى الجيش الأمريكي ، السيطرة على بغداد وفرض الأمن فيها ).
تقول الدراسة : لم يتم حصد تلك النجاحات بفضل زيادة القوات الأمريكية فقط لكن ثمة عوامل هامة رافقت الحملة وأسهمت في نجاحها منها الاختراق الذي حصل بسحب جزء من عناصر المقاومة وتشكيل ما يعرف باسم قوات الصحوات ( تدفع أمريكا لكل فرد فيها 360 دولار شهريا ولرؤسائها نسبة 20% من رواتب مجنديهم ) ، وكذلك بفضل التطهير العرقي والذي وصفته الدراسة بالتطهير العرقي الوحشي - يبدو ان الوحشية مفيدة في بعض الأحيان – أي بصريح العبارة لعب التطهير العرقي دورا هاما في نجاح الحملة الأمريكية .
من ذلك يصبح سهلا تقدير من كان بالفعل وراء طرد ملايين العراقيين من بيوتهم ، ولماذا تغلق الأبواب امام عودتهم حتى الآن ؟
واذا كانت حكومة المالكي لا تمنح مسألة اللاجئين أي قدر من الاهتمام ، فكيف يمكن تصور اجراء مصالحة وطنية حقيقية ؟
من المريب ان مسألة اللاجئين العراقيين يتم تقزيمها واستبعادها من الضوء ليس بالنسبة لحكومة المالكي الفاشلة فقط ولكن بالنسبة للسياسيين الغربيين والعراقيين والعرب ، ولوسائل الاعلام الغربية ( الديمقراطية ) والعربية أيضا .
فاذا كانت السياسة الأمريكية لا تخفي ارتياحها للتطهير العرقي ، وتعتبره ( ايجابيا ) ، فمن المنطقي ان نتوقع منها تجاهل مسألة اللاجئين وتحويلها الى قضية انسانية تتكفل بها منظمات الاغاثة والمنظمات الأهلية المحلية والعالمية ، لكن ماذا عن الرأي العام العالمي الحر ؟ وماذا عن السياسيين والمثقفين والاعلاميين العرب ؟
هل يرضى كل هؤلاء السير في ذيل السياسة الأمريكية حتى حين يصل بها الانحطاط حد استخدام التطهير العرقي لملايين من المواطنيين العراقيين الأبرياء وتحويلهم الى لاجئين يركضون وراء تأمين المأوى والخبز ؟
بل أين المعارضات الوطنية العربية التي يفترض المرء تحررها من قيود التبعية للسياسة الأمريكية التي ترهق كاهل الحكومات العربية اللاهثة وراء الرضى الأمريكي بأي ثمن ؟
أن يحدث التطهير العرقي في مطلع القرن الحادي عشر على مرأى ومسمع ومباركة قوات الاحتلال الأمريكية في العراق فذلك وصمة عار لاتمحى على صدر السياسة الأمريكية .
لكنه وصمة عار أشد على صدر من صنعوه ومن يحاولون اليوم تسويقه كأمر عادي لايستدعي سوى تقديم اثناعشر مليون دولار لسوريا لمساعدتها في تحمل أعباء اللاجئين!!
وهو أيضا امتحان لضمير المثقفين العرب والمعارضات العربية والسياسيين والحكام حتى لانخلي مسؤولية أحد منهم .
المطلوب هو القاء الضوء على قضية اللاجئين العراقيين باعتبارها مسألة سياسية تقع في صلب معالجة الوضع العراقي ، وتحميل الاحتلال الأمريكي مسؤوليتها باعتباران تلك الجريمة قد تمت من خلال وجوده وسيطرته العسكرية والأمنية على العراق ، والضغط من خلال الرأي العام العربي والعالمي لالزام الولايات المتحدة بحل هذه المسألة ، والاشتراط على حكومة المالكي اعادة اللاجئين العراقيين الى بيوتهم وتأمينهم قبل أي حديث عن تبادل للسفراء او الاعتراف بتلك الحكومة .
(***)
عراقيون بلا وطن!
جمال محمد تقي
على العكس من اعلانات الحكومة العراقية فان تقارير المفوضية العليا لشؤون الاجئين تشير الى تزايد اعداد الاجئين العراقيين الى الخارج وبمعدلات متواترة فالرقم 4,7 مليون لاجيء عراقي قابل للزيادة الملحوظة خلال العام القادم وان عودة 150 الف لاجيء من سوريا والاردن ولبنان كانت عودة مخيبة للامال، فلم يجد من عاد منهم ما يصبره على البقاء، لا عمل لاسكن ولا امان ولا ثقة بالمستقبل، لذلك يحاول اغلبيتهم تدبير شؤون عائلته، ثم يعاود الكرة، عسى ان يفلح بالوصول الدائم الى احدى دول اللجوء الاوروبية من جديد!
لقد بعثت المفوضية الدولية باكثر من نداء استغاثة وتحديدا للدول المانحة + الحكومة العراقية لبذل مابوسعها من اجل مساعدتها على تأدية الحد الادنى من مهمتها الانسانية ـ ماديا ولوجستيا ـ فكانت الاستجابة مسكنات مالية ـ 30 مليون يورو من دول الاتحاد الاوروبي مع وعود بالتنسيق مع الحكومة العراقية والولايات المتحدة والدول المستضيفة، اما الحكومة العراقية فقد اكدت مجددا انها ستبذل المزيد من الجهود لتسهيل عودة الاجئين العراقيين الى وطنهم، وانها سوف تكلف وزارة شؤون المهجرين وحقوق الانسان بعمل ما يمكن عمله!
المشكلة اكبر من امكانيات المفوضية فهي موجة لجوء مليونية وتعتبر اكبر حركة لجوء على مستوى العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وهي بمقياس الكوارث والنكبات، ولا يمكن معالجتها بالمساعدات الاغاثية العاجلة فقط وانما بجملة اجراءات للحد من تواصل مسبباتها او لتقليل اضرار تلك المسببات والمهيجات على اقل تقدير، لقد عبرت مكاتب المفوضية في دمشق وعمان والقاهرة وبيروت وانقرة عن قلقها المتزايد من تفاقم التدفق وتعقده وعدم توفر قدرة استيعابية لاحتواء الحالة فهي منفلتة!
نعم انها منفلتة فلتان الوضع داخل العراق، وليس المقصود بالفلتان هنا امنيا فقط، فواقع الحال يشهد على ان مناطق شمال العراق مثلا ـ اربيل والسليمانية ودهوك ـ والتي لا تعاني امنيا مثل غيرها من مناطق العراق هي ايضا تصدر يوميا من يغادر لاجل الحصول على اللجوء الاوروبي، والسبب هو فلتان الفساد وطغيانه وغياب فرص العمل الحقيقية وايضا الامتيازات الرائجة لمتعددي الجنسيات من اصول كردية ، حتى صار قادة الحزبين ـ الاتحاد الوطني، والديمقراطي الكوردستاني ـ قوة مثل تغري بالهجرة والتجنس الاوروبي والعودة لممارسة الهبر المشروع لم لا فهو محصن بقوة الجنسية المكتسبة، شباب اكراد من دهوك واربيل والسليمانية يطرقون ابواب ستوكهولم ولندن وبرلين وفيينا للحصول على اللجوء، فتجد منهم من يدعي انه من كورد بغداد او انه من ابناء كركوك وهكذا!
القلق من المستقبل وعدم الاطمئنان لما سيحصل وتوقع حصول الاسوأ كلها مشاعر مهيجة نحو الهجرة وما يغذي هذه المشاعر هو واقع الارتداد المخيف نحو العشيرة والطائفة والرس والتمترس خلفها على حساب هوية المواطنة المتمدنة، التركماني واليزيدي والشبكي والمسيحي والتركيفي لا يشعر بالامان من نوايا عنصريي الحزبين المتسلطين على مناطق شمال لعراق، فجرائم الاحتواء والقتل والتخريب بهدف الاذلال والترهيب والتهجير ـ كما ثبت بالدليل القاطع في حوادث تفجيرات الموصل حيث تورط قيادات من حزب البارزاني فيها ـ مستمرة حتى يستقطعون المنطقة الشمالية من العراق باكملها ملكا يستورثوه ولا يشاركهم فيه مشارك، وعلى هذا المنوال حالة الجنوب والوسط فالردة شاملة واصحابها يتبرقعون بعباءات المراجع والايات ويدغدغون النوازع والغرائز والعصبيات من اجل ذات الهدف الذي ينشده استقطاعيي الشمال، فالاقليم الشيعي في الجنوب والسني في الغرب وتقسيم بغداد بين نفوذ هذا وذاك كلها اهداف مفضوحة لمن يحكم العراق اليوم بوصاية ورعاية محتل غاشم لا يعنيه ان رجعت البلاد الى العصور الحجرية بل هذا هو مراده لينشغل بما اتى من اجله!
بعد كل هذا وبعد مسلسل الارهاب الدموي الذي لم ينقطع من ايام الحصار ومن ثم الغزو والاحتلال
حتى مساعي تابيده بمعاهدة التعاون والصداقة الى ستنهال على ما سلم من بشر وحجر كيف يثق العراقي المنكوب بمستقبله ومستقبل اولاده ؟
من مفارقات مؤتمر العهد الدولي الاخير والذي انعقد في العاصمة السويدية كان تعليق وزير المهاجرين السويدي على نبرة التفاؤل التي يبشر بها المالكي المؤتمرين حيث قال : اذا كان الامر كذلك لا اعتقد ان طالبي اللجوء العراقيين سيرفضون العودة مع المالكي عند نهاية المؤتمر!!
علما ان وفد المالكي رحب باعادة طالبي اللجوء الجدد والمقدر عدددهم بحوالي 80 الف ووعد بمساعدتهم كعادته،، مما حذى بمجاميع كبيرة من طالبي اللجوء في السويد بالتظاهر ضد تفاهمات اعادتهم متهكمين على المالكي وعلى حكومته التي لا تحل ولا تربط !
من المفارقات الاخرى وذات الصلة بنفس الموضوع هو اعلان عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية
في العراق عن نية دولته استخدام مليون من العمالة المصرية في العراق للتمكن من الايفاء بالتزامات اعادة اعمار العراق،، فاذا كانت نسبة البطالة الفعلية بالعراق اليوم تقدر بحوالي 65 % فهل يعقل معالجتها
باستيراد اكثر من مليون عامل مصري ؟ نعم قد يعقل الامر اذا كان مقصود السيد عادل عبد المهدي ان هذه ال 65 % ستهاجر هي ايضا وبلا رجعة!
بعد كل الذي تقدم اي يوم سنختاره لتذكر اللاجيء العراقي؟ هل هو يوم اللاجيء في العالم 20 حزيران ؟ واذا استخدمنا ذات اليوم الا تضيع خصوصية الاجيء العراقي التي يشيب لها الرأس ؟
بلاد من اغنى البلدان وشعبها يتضرع جوعا وعوزا وتشردا في عواصم الجوار واللجوء! بلاد تحتل ومحتلها يدعي انه جاء ليحررها فاذا به يغلق ابواب سفارته بوجه المستغيثين به مما فعلت يداه!
صار العراقي طارئا مطاردا مشردا مهددا في وطنه، وصارالمحتلون واعوانهم ملاكا له يؤجرونه ويرهنوه ويبيعوه بالقطعة والجملة، وراحوا ينتقمون منه حتى وان فر بنفسه الى خارج الحدود، اتراهم لا يعلمون ان زيادة الضغط يؤدي الى الانفجار؟
| Juillet 2009 | ||||||||||
| L | M | M | J | V | S | D | ||||
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | ||||||
| 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | ||||
| 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | ||||
| 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | ||||
| 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | ||||||
|
||||||||||
Commentaires